هل القطاع الخاص أكثر إنتاجيةً وإرضاء للمستهلك؟
تسعى المملكة باستمرار لرفع خدمات المؤسسات الحكومية ولا تدخر الدولة جهداً ولا مالاً في سبيل تحقيق الأفضل للوطن. ولا يمكن لأحد أن ينكر تحسن مستوى الكثير من الخدمات الحكومية بصورة كبيرة خلال الأعوام الماضية، ولكن يرى الكثير من الجمهور أن مستوى الخدمات الحكومية لا يزال أقل من المستويات المرغوبة وخصوصاً في بعض القطاعات التي تؤثر وتمس بشكل مباشر ومستمر حياة ورفاهية المواطن كالخدمات التعليمية والصحية والبلدية.
ويسود اعتقاد عام أن القطاع الخاص أكثر كفاءةً من القطاع العام في تقديم الخدمات العامة بسبب جنوح القطاع الخاص المستمر إلى تعظيم الأرباح وخفض التكاليف إلى أدنى المستويات. ولكن هذا الاعتقاد ليس صحيحاً في كل الأوقات وكل المؤسسات وكل البلدان. ومبدأ السعي المستمر لتعظيم الأرباح المتبع في القطاع الخاص التجاري قد يدفع مؤسساته للتغاضي أو تقليل حجم المخاطر التي تواجه المؤسسات الاقتصادية الخاصة وممارسة تجاوزات كثيرة تقلل من المنفعة العامة من الخدمات، ولهذا يجب تنظيم أنشطة القطاع الخاص وتفعيل ومراقبة تطبيق هذه الأنظمة. وأثبتت أحداث الأزمة المالية العالمية أن كثيراً من مؤسسات القطاع الخاص الهادف للربح بما في ذلك بعض الشركات المالية الضخمة متعددة الجنسيات يعاني معضلات في أداء أعماله يتسم بعضها بالخطورة والمجازفة. ومن أهم تلك المعضلات سوء الإدارة المالية وسوء تقدير المخاطر وانتشار الفساد والمحسوبية والتحايل على الأنظمة والقيم الإنسانية والأخلاقية.
وقد يتعارض هدف تعظيم الأرباح مع مبدأ تعظيم المنافع الاجتماعية التي تهدف لها السياسات الحكومية. فتعظيم الأرباح مثلاً في قطاع التعليم التجاري قد يدفع بالمؤسسات التعليمية التجارية الخاصة إلى تبني ممارسات تتعارض مع تحقيق المنفعة الاجتماعية من التعليم. والقطاع الحكومي أكثر التزاما بالأنظمة والسياسات العامة، بينما يحاول القطاع الخاص قدر الإمكان التملص من هذه الالتزامات لأنه يرى فيها قيوداً على نشاطه. وفي المقابل توجد أمثلة كثيرة على نجاح القطاع العام, بل وتفوق مستوياته على مستويات الخدمات التي يقدمها القطاع التجاري الخاص. فهناك مدارس حكومية متميزة في أدائها وذلك بسبب حسن إدارتها وإحساس طواقمها التعليمية بالمسؤولية وتفانيهم في أداء واجباتهم.
وينبغي عند المقارنة بين مؤسسات التعليم الخاصة والعامة تدارك اختلاف الممارسات والالتزامات بين مدارس القطاعين الخاص والعام والتي من أهمها المركزية الشديدة في الإنفاق في قطاع التعليم العام والذي يحد من تميز بعض المدارس والإدارات التعليمية. ويضاف إلى ذلك كون الجزء الأكبر وراء ارتفاع تكاليف التعليم في القطاع الحكومي هو ارتفاع أجور معلمي القطاع الحكومي مقارنةً بأجور معلمي المدارس الخاصة. ولا ينبغي بأي حال من الأحوال إغفال مسألة تعرض المدارس الحكومية لضغوط من قبل الجمهور لقبول أعداد أكبر من طاقتها, ما يخفض من كفاءة التعليم في هذه المدارس، بينما مكن انخفاض الأجور في التعليم الخاص التجاري المدارس الخاصة من خفض معدل عدد التلاميذ في الصفوف وأظهرها بشكل أفضل من المدارس الحكومية.
ونظراً لأن المدارس الحكومية لا تهدف للربح فإن أدائها يتوقف على أفضليات إدارتها سواءً المركزية أو على مستوى المؤسسة التعليمية، ولهذا نرى أن مستوى الالتزام في المدارس الحكومية يتوقف على السياسات العامة لوزارة التربية وعلى شخصية المدير وحرصه وتفانيه في إدارة مدرسته. ويشكل الربح لملاك المدارس الخاصة الهاجس الأول من نشاط المؤسسات التعليمية التجارية الخاصة، ولهذا فإن هذه المدارس ليست مثالية من الناحية النظرية لتلقي التعليم، حيث تحاول خفض التكاليف لأدنى مستوى ما يدفعها لتبني ممارسات قد تضر بالتعليم. ومن المشاهد في التعليم الخاص في المملكة تدني مريع لمستويات الأجور وعدم رضا الكوادر التدريسية عن العمل فيها، ما يتسبب في فقدانها المستمر لأفضل مدرسيها. كما قد تلجأ المدارس الخاصة إلى توظيف كفاءات متوسطة أو رديئة في مجالي التدريس أو الإدارة لخفض التكاليف. والمدارس الخاصة ليست سليمة من النواقص التي تعانيها المدارس الحكومية، فالدروس الخصوصية تنتشر أيضاً في كثير من المدارس الخاصة. وتعاني المدارس الخاصة بعض الممارسات في النهج التعليمي أكثر من المدارس الحكومية، فكثير منها تمنح درجات تفوق لمعظم طلبتها بل وتمرر نجاح بعض تلاميذها الذين لا يستحقون النجاح، وبهذا فإنها تضر بمستويات التعليم ومهارات التلاميذ المنتسبين إليها.
وختاماً يجب التمييز في المعاملة بين المدارس الخاصة التجارية الهادفة للربح وبين المؤسسات التعليمية الخاصة غير الهادفة للربح والتي تخصص كل مواردها لرفع مستوياتها التعليمية ونشر المعرفة. وتستحق المدارس الخاصة التي لا تهدف إلى الربح كل الدعم والتشجيع. ومن المعروف أن أفضل المؤسسات التعليمية (وخصوصاً الأكاديمية) على مستوى العالم هي مؤسسات خاصة غير هادفة إلى الربح, إضافة إلى عدد كبير من المؤسسات الحكومية، أما المؤسسات التعليمية الهادفة إلى الربح فهي إجمالاً مؤسسات عادية ولا تتصف بالتفوق.