واقع الصناعة التحويلية "المصافي" في ظل انهيار الطلب العالمي على النفط

في المقال السابق تم التطرق إلى جانب مهم وحيوي في استقرار أسواق النفط العالمية، وفي الوقت نفسه مهم للدول المصدرة للنفط وهو: الطلب العالمي على النفط في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. في هذا الخصوص قدمنا نظرة مفصلة في مستوى الطلب العالمي على النفط في عام 2008 والتوقعات المستقبلية للعامين المقبلين، موضحين التغييرات التي أدخلتها الدراسات والتحاليل في هذا المجال على توقعاتها السابقة نتيجة الأزمة المالية. كذلك تم تحديد المجالات الرئيسية للتراجع في مستوى الطلب العالمي على النفط أو النمو، إن وجد، وتحليل أثر الانكماش الاقتصادي في الطلب العالمي على النفط في مناطق رئيسية مثل أمريكا الشمالية، أوروبا، الصين وغيرها.
في هذا المقال سنتحدث عن جانب آخر مهم وحيوي وذي علاقة مباشرة بالطلب العالمي على النفط وهو: واقع الطلب العالمي على المنتجات النفطية أو المنتجات المكررة Refined products، وانعكاسات ذلك على الصناعة التحويلية (المصافي). في هذا الخصوص سنتعرف على مستقبل الطلب على المنتجات النفطية في ظل الطلب العالمي الحالي على النفط. وكذلك سنتطرق إلى الآثار السلبية الرئيسية المترتبة على أسواق الصناعة النفطية التحويلية Downstream oil market نتيجة للمستجدات الحالية في الطلب على المنتجات.
بين عامي 2003 إلى 2007 ، شهد الطلب العالمي على النفط نموا كبيرا، لم يشهد مثله العالم من قبل منذ انهيار الطلب العالمي في عام 1985 بعد ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات السابقة. لكن واقع الطلب العالمي على النفط تغير تغيرا جذريا نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، حيث تراجع الطلب العالمي على النفط بنحو 300 ألف إلى 400 ألف برميل يوميا في عام 2008، وهو أول انخفاض له منذ عام 1985، كما تشير معظم الدراسات إلى أن الطلب العالمي على النفط في عام 2009، من المتوقع أن ينخفض انخفاضا حادا ما بين 1.5 إلى أكثر من مليوني برميل يوميا عن العام السابق، أما في عام 2010، فتشير معظم توقعات المحللين إلى أن الطلب على النفط سينتعش، ولكن بصورة قليلة مقارنة بسنوات النمو السابقة، حيث من المتوقع أن يزداد بحدود نصف مليون برميل يوميا أو أكثر أو أقل بقليل عن 2009، ولكن هذا ليس بعد مؤكدا.
هذا الانهيار في الطلب العالمي على النفط، حول سوق المنتجات النفطية من حالة النقص المزمن في المنتجات المكررة إلى حالة من وفرة الطاقات الإنتاجية الفائضة وتزايد المنتجات النفطية في الأسواق العالمية. كل هذا حصل خلال أشهر قليلة فقط. والواقع الجديد هنا هو؛ أن هذا الركود وانهيار الطلب على المنتجات النفطية حدث، ليس فقط في البلدان التي بدأت فيها الأزمة الاقتصادية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، أوروبا، واليابان، ولكن أخيراً حصل أيضا في البلدان ذات الاقتصاديات النامية، خصوصا الصين وبعض دول الشرق الأوسط المصدرة للنفط، التي سبق أن أسهمت في معظم النمو في الطلب العالمي على النفط.
إن الآثار السلبية الرئيسية المترتبة على أسواق الصناعة النفطية التحويلية Downstream oil market نتيجة لهذه المستجدات في الطلب على المنتجات، يمكن تلخيصها بما يلي: ضعف الهامش الربحي وخصوصا للمقطرات المتوسطةMiddle distillate؛ مثل وقود الديزل ووقود الطائرات، التي تعد من أنواع الوقود الرئيسية المرتبطة بالتجارة والشحن. هذه الأنواع ستكون الأكثر تأثرا. والتأثير السلبي الثاني على أسواق الصناعة النفطية التحويلية هو تقارب فجوة الأسعار Crude oil price differentials بين نفوط الخام الخفيفة والثقيلة. على الرغم من أن هذا التغير قد يعتبر إيجابيا للدول المنتجة والمصدرة للنفوط الثقيلة، لكنه ليس كذلك بالنسبة للصناعة التحويلية.
خلال الأعوام التي انتعش فيها الطلب على النفط وحتى الربع الأخير من العام الماضي، كان الهامش الربحي للمقطرات المتوسطة عاليا نسبيا، وكان لهذا العامل آثار إيجابية لصناعة تكرير النفط. ولكنه الآن أصبح من الواضح أن الطلب على وقود الديزل ووقود الطائرات سيتأثر سلبا بدرجة كبيرة نتيجة الركود الاقتصادي الكبير. ومع انتهاء فصل الشتاء في نصف الكرة الشمالي، لم يتبق سوى القليل جدا من الطلب على النفط لدعم هامش الربح للمقطرات المتوسطة. الشتاء الماضي كان أكثر برودة من العام الماضي في كل من أمريكا الشمالية وأوروبا، الذي عادة يدعم الطلب على وقود التدفئة أقوى من المعتاد. لكن الآن، مع ارتفاع مستويات مخزون المنتجات المكررة إلى أعلى مستوياتها في كل من الصناعة والأقاليم على حد سواء، خصوصا أمريكا الشمالية وأوروبا، وتزامن هذا مع تراجع تام في الطلب على وقود الديزل في قطاع النقل بالتحديد والقطاعات الأخرى، لم يتبق لسوق المنتجات النفطية أي دعم من جانب الطلب على الوقود.
العامل الأساسي والمهم بخصوص الطلب على وقود الطائرات والديزل، هو أن الطلب على السلع الرأسمالية قد انهار في جميع أنحاء العالم. وهذا أدى إلى انخفاض في الطلب على كميات الوقود ليس فقط في مجال الشحن، ولكن أيضا في النشاط الصناعي عموما، والديزل هو الوقود الرئيسي لكلا القطاعين. نتيجة لجميع هذه العوامل، تشير معظم الدراسات والتحاليل بهذا الخصوص إلى أن الطلب العالمي على المقطرات المتوسطة بجميع أنواعها، زيت التدفئة والديزل ووقود الطائرات، من المتوقع أن ينخفض ما بين 400 ألف إلى 600 ألف برميل/ يوم في عام 2009 ، من أصل ما مجموعه ما بين 1.5 إلى أكثر من مليوني برميل يوميا من الانخفاض الكلي في الطلب العالمي على النفط. أما بالنسبة للمصافي، فالخسارة في الطلب على المقطرات المتوسطة وإضافة طاقات تكريرية جديدة كبيرة قد يفاقم الأزمة، خصوصا تلك الخاصة بوقود الديزل. فعلى سبيل المثال في آسيا تم أخيرا إضافة طاقات تكرير إضافية، حيث إن ثلاث مصاف جديدة بدأت عملياتها في الأشهر القليلة الماضية في كل من الهند، فيتنام، والصين.
وما لم يبدأ الاقتصاد العالمي بالانتعاش في وقت لاحق من هذا العام، فإن وقود الديزل يمكن أن يصبح مرة أخرى أرخص من البنزين. ولكن في الوقت نفسه الذي من المتوقع أن تسترد فيه السوق الطلب على المنتجات النفطية، من المتوقع أيضا أن تدخل السوق طاقات تكريرية جديدة. وعليه من المتوقع أن يستمر تشغيل المصافي بمعدلات استغلال منخفضة نسبيا على مدى السنتين المقبلتين.

في المقال اللاحق سنتعرف على بقية العوامل المؤثرة في أسواق الصناعة النفطية التحويلية Downstream oil market نتيجة للمستجدات الحالية في الطلب العالمي على المنتجات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي