رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


وداعا "تقريبا" للملاذات الضريبية الآمنة"؟!.

عندما تحتاج إلى المال.. تبحث في الجيوب. وعندما تكتشف أنها مخرومة.. تبحث في البيت. وعندما تتأكد من "الجفاف" المالي فيه.. تبحث في الأرجاء. وعندما تجد أن الجفاف ضربها.. تستنجد بصديق. وعندما تراه آتيا إليك للغرض نفسه.. تحفز دماغك تقصيا عن رزمة هنا، أو أخرى هناك. وعندما تيأس.. تتجه إلى المناطق المنسية، أو التي "أنسيت" - بضم الألف -. هكذا كان حال قادة "مجموعة العشرين" في قمتهم التاريخية الأخيرة التي عقدت في لندن. ظلوا منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، يستعرضون المصادر المالية التي يمكن أن تساعدهم في التغلب على "أوبئة" الأزمة، وأخذوا "يهرشون" رؤوسهم، بحثا عن أية جهة يمكن أن تسهم في "الحرب" ضد هذه الأزمة. لكن المصادر جفت، والأنانية جرت، وهتف قادة العالم - دون استثناء - المثل المصري الشعبي الذي يقول: "ما يحتاجه البيت، يحرم على الجامع".
في الأزمات والمشكلات الاقتصادية، تلجأ الحكومات عادة إلى المصارف للاقتراض، من أجل تسوية موازناتها العامة، وتوفير السيولة المطلوبة، إلى "حين ميسرة". لكن المصيبة.. أن المصارف هي التي لجأت إلى الحكومات، بحثا عن تمويل - وحتى تأميم - من أجل الحفاظ على مسافة، ما بين هذه المصارف، وما بين الانهيار. وفي الأزمات أيضا.. تلجأ بعض الحكومات إلى الخارج من أجل الاقتراض، لكن الأزمة العالمية وضعت الخارج في الداخل، ليتحد معه في المصيبة، قبل أن يتحدا كليهما في مواجهتها. هذه الأزمة.. "عولمة" الهموم والمحن، ووضعت لأول مرة في التاريخ، الغربيين والشرقيين والشماليين والجنوبيين، على مركب واحد، ليس للقيام برحلة بحرية وادعة وهانئة، بل للبحث عن أرض للنجاة. فحال العالم الآن هو :" كلنا في الهم بشر"، مع الاعتذار للتصرف بشعر أحمد شوقي.
بعد استنفاد المصادر المالية "المنقذة"، اتجهت الدول الكبرى، إلى الملاذات الضريبية الآمنة. كان من الأجدى لها، التوجه إلى هذه الملاذات قبل ذلك بسنوات، خصوصا أن أمرها بات مفضوحا، بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فالقضية لم تكن بحاجة إلى أزمة بهذا المستوى، من أجل كشف الأوراق والحسابات السرية. وعلى الرغم من أن الدول المؤثرة تحركت في السنوات الماضية، ضمن نطاق منظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية"، التي تتخذ من باريس مقرا لها، ضد هذه الملاذات، إلا أن التحرك ظل ضمن نطاق ضيق، وظل تعاون الدول التي تحتضن الملاذات المستهدفة، في أضيق الحدود، بل أن هناك دولا لم تتعاون أساسا.
والحقيقة أن مواقف وتصريحات القادة الكبار، من بينهم الرئيس الأمريكي باراك أوباما، ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، بخصوص هذه الملاذات، كانت أقوى وأعنف من طبيعة الحملة التي أطلقت ضدها. فقد رفض بعض القادة في "قمة العشرين"، تسمية الملاذات الضريبية والكشف عن الأموال المودعة فيها، وذلك ضد رغبة كل من فرنسا وألمانيا. فهناك فرق كبير بين أن تعلن منظمة "التعاون والتنمية الاقتصادية"، عن الدول التي تعاونت، أو ترفض التعاون، أو تتعاون بصورة طفيفة، في تبادل المعلومات عن الحركة المالية والضريبية فيها، وبين أن تصدر قائمة بأسماء الملاذات وحجم الأموال الحقيقية فيها. نعم الحملة كانت جيدة.. بل ومطلوبة في السابق وفي الوقت الحالي، لكن مع غياب النزاهة الكاملة، لا يمكننا إلا أن نقول :" وداعا تقريبا لهذه الملاذات". وتقريبا.. تعني أن هناك الكثير من العمل والتحرك، من أجل تحقيق الهدف من الحملة برمتها. فالأمر لا يرتبط بشركات هاربة من الضرائب، وبحسابات مصرفية سرية فقط، بل يشمل أيضا عمليات غسيل الأموال الناجمة عن تجارة المخدرات، والاتجار بالبشر، وتجارة السلاح غير المشروعة، وسرقة الأموال العامة، وأموال المليشيات والعصابات، إلى جانب الشركات الوهمية - الاسمية.
إذاً.. القضية تشمل كل العمليات غير المشروعة، وربما تكون مسألة التهرب من الضرائب – رغم خطرها على الأمن الاقتصادي الوطني - في المركز الثاني منها. نحن نعلم أن الحكومات تبحث عن موارد مالية لمواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية، ونعلم أيضا أنها تستطيع أن تحصل على أموال طائلة من الملاذات المستهدفة، لتمويل صناديق التنمية والإعمار الدولية، التي تعتبر حجر الأساس في أي حل للأزمة، فضلا عن تمويل عمليات الإنقاذ الاقتصادي. لكننا نعلم في المقابل، أن الفرصة باتت مواتية الآن، لبدء حصار دولي على العمليات غير المشروعة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا لا تكون الأزمة عاملا مساعدا في هذا المجال؟. فالعالم الآن.. يحتاج إلى المال، ويحتاج في الوقت نفسه، إلى عودة المعايير الأخلاقية المفقودة منذ زمن طويل، ليس فقط للقطاع المصرفي، بل لكل القطاعات. لماذا لا يتم التعامل مع العمليات غير المشروعة كلها، كقطاع ينبغي القضاء عليه، في زحمة القضاء على الأزمة؟.
لا شك في أن الحصار يضيق على الملاذات الضريبية، وقد بدا هذا واضحا من مواقف المسؤولين السويسريين الذين هاجموا بعنف منظمة "التعاون التنمية الاقتصادية"، التي وضعت بلادهم ضمن البلدان التي لا تتعاون في مجال السرية المصرفية، بل إن هؤلاء هددوا المنظمة، بالتوقف عن دفع حصة سويسرا في تمويلها. ويمكن لهذا الحصار أن يضيق أكثر، إذا ما قامت الدول الكبرى بتحرك أقوى تجاه الدول التي تتمتع بحكم ذاتي، والتي تقع ضمن الحكم الإداري للدول الكبرى نفسها. فهناك العشرات من الدول في البحر الكاريبي والمحيطات الهندي والأطلسي والهادي، لا تزال تحت الإرادة العليا البريطانية أو الفرنسية أو الهولندية وغيرها، منذ الحقبة الاستعمارية. إن الحصار العالمي لهذه الملاذات مطلوب بقوة، لكن الحصار شبه الداخلي لها مطلوب بقوة أكبر، لأنه أكثر سرعة في الوصول إلى نتائج.
إن الحرب التي أعلنت على الملاذات الضريبية، وتلك التي توفر أعلى درجات السرية المصرفية، ربما هي الجانب المشرق الوحيد، في الظلمة التي نشرتها الأزمة الاقتصادية العالمية. لأنها تستهدف الهاربين من " الواجب الضريبي"، وأولئك الذين يضعون الأموال في المصارف، لكنهم لا يريدون كشوفات لحساباتهم. ويمكن لهذه الحرب أن تؤسس لنظام عالمي جديد – تماما كما يتأسس نظام عالمي اقتصادي جديد الآن - يجعلنا نصيح بالقول: "إن زمن السرية المصرفية قد ولى، وإن حقبة الملاذات الضريبية قد ذهبت". ولكن إذا كانت الحرب شاملة، بمعنى أن تستهدف بنفس القوة والعزم، العمليات غير المشروعة بكل أنواعها، سيكون النصر أكبر وأقوى، وأكثر استمرارية.
يجب أن تكون هذه الحرب استراتيجية، لا مرحلية.. لا آنية.. لا ظرفية. حرب لا تؤدي إلى جباية الضرائب من العمليات غير المشروعة، بل حرب تقضي على هذه العمليات أصلا. هناك قول معبر لـ " أل كابون" أشهر زعيم لعصابات المافيا في التاريخ، عندما ألقي القبض عليه، بتهمة التهرب من دفع الضرائب، بعد أن فشلت الأجهزة الأمنية في القبض عليه بتهم تتعلق بأعماله الإجرامية .. ماذا قال: "هل يمكن جباية ضرائب مشروعة من أعمال غير مشروعة؟!". ولعل هذا أصدق ما قاله هذا المجرم. فالضرائب لا بد أن تكون مشروعة، وإلا تحولت إلى ما يعرف بالعامية "خوات"، يفرضها قطاع الطرق، أو "بلطجية" الأحياء الشعبية. ولذلك فإن القضاء على الملاذات الضريبية، يجب أن يشمل معه الأعمال غير المشروعة، لأن الضرائب التي تدفعها الإنسانية من جراء هذه الأعمال، لا تعوضها أموال الدنيا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي