رسالة الخطأ

  • لم يتم إنشاء الملف.
  • لم يتم إنشاء الملف.


مشاريع السكك الحديدية وقبل الفوت

بدأت حكومتنا الرشيدة في خطوات رائدة وسريعة لمشاريع السكك الحديدية التي كانت من الأساسيات التي من الأولى أن يتم الاهتمام بها والاستثمار فيها قبل حتى بدء الخطط الخمسية للمملكة. حيث إننا لو استثمرنا فيها في حينه لكانت التكلفة أقل بكثير والفائدة أكبر (القيمة الوقتية أو الحالية). فهي من أهم مشاريع النقل التي لا تقل في أهميتها عن أهمية المطارات والطرق السريعة. حتى الدول الفقيرة تبدأ بها قبل البدء في مشاريع النقل الأخرى, ولكن الإسراع في بعض الأمور ربما يؤدي إلى إهمال بعض الأولويات.
السرعة القياسية التي نسير بها قد تنسينا أو تفوت علينا بعض الأساسيات المهمة لنجاح مثل هذه المشاريع. وتخطيطيا فإن الأساسيات لمشاريع السكك الحديدية ليست فقط المسارات وحرم الطريق والقاطرات بل إن هناك أساسيات أخرى تجاهلناها لا تقل أهمية عنها وهي مراكز النقل العام وعلاقتها بربط تلك المسارات بمراكز المدن التي تمر بها أو مراكز النقل والمطارات والموانئ الدولية والمناطق الصناعية.
ومن قراءاتي الوضع الحالي فإنني أرى أن موضوع الربط بين المسارات المقترحة حاليا ومراكز النقل سواء في وسط المدن أو أطرافها لم يجد الاهتمام المطلوب. وأخشى أن نقع في أخطاء من بدأوا قبلنا ثم عضوا أصابع الندم. معظم دول العالم لها تجاربها ولكنها ندمت وتكلفت كثيرا بسب عدم التخطيط المسبق, ما أجبرها أخيرا على دفع الغالي والنفيس لتعديل مواقع وربط مراكز النقل المختلفة في مركز واحد، حيث إن مواقع محطات السكك الحديدية كانت في مواقع بعيدة عن مواقع مراكز النقل بالحافلات.
مراكز النقل العام جزء أساسي من تكلفة مشاريع النقل العام, ولها تعريفها وتصنيفها وتطور تعريفها لتشمل الربط لأكثر من نوع ومسار للمركبات ليصبح تعريفها أكثر شيوعا كمراكز تداخل أنواع خدمات النقل العام (إنترمودال)، الذي يجمع نوعين أو أكثر من وسائل النقل العام.
وهذا الاهتمام لم يظهر إلا أخيرا بعد ثبوت نجاحه, ما جعل الحكومة الأمريكية تصدر قرارها عام 1991 ISTEA الذي كان أول قرار يتعلق بتنظيم وربط مسارات وأنواع النقل العام للركاب والشحن من خلال مراكز النقل العام وليتم توحيدها وتنظيمها لتترابط بعضها مع بعض، والاهتمام بالركاب كجزء مهم من المعادلة.
يؤدي الاستثمار في مراكز النقل العام إلى سلسلة من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية المباشرة وغير المباشرة. ومن أهم التأثيرات الإيجابية المباشرة هي زيادة الطلب والإقبال على النقل العام بجميع أنواعه وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة وتوفير الوقود وتخفيف الازدحامات والتلوث والحوادث والإصابات, بينما التأثيرات الإيجابية غير المباشرة فهي زيادة النشاط والناتج الاقتصادي، وقلة الاستيراد للوقود وقطع غيار السيارات وخلق الوظائف، وزيادة القيمة الحقيقية لأسعار الأراضي, وبالتالي زيادة الإيرادات من الضرائب على هذا النشاط الاقتصادي للدول المتقدمة وغيرها من التأثيرات الاقتصادية الإيجابية في الاقتصاد المحلي بشكل خاص والوطني بشكل عام. وهذه التأثيرات غير المباشرة لها أيضا دورها في إطالة دورة حيات الطرق والتخفيف من تلفها, ما يؤدي إلى توفير جزء كبير من تكلفة صيانة الطرق وتوفير الوقت على المواطنين.
وهناك حاليا توجه عالمي للتركيز على مراكز النقل العام والجميع منهمكون في خطوات للتخطيط لبناء مراكز نقل عام جديدة وحديثة معظمها جاء كجزء من فكرة إعادة إحياء وتحديث المراكز الحالية التي كانت مواقعها عبارة عن مراكز لانطلاق الحافلات والقطارات في مسارات محورية قديمة. والبعض الآخر جاء بسبب التوجه إلى تحقيق تطلعات السكان للحصول على خدمات أفضل من كون تلك المراكز فقط مأوى بل لتجذب ركابا أكثر عن طريق التحسين والرفع من مستوى مراكز النقل والخدمات التي تقدمها لتكون أكثر جاذبية وحيوية.
وتعد فكرة التخطيط لمواقع مراكز النقل العام وتحوير أو جمع بعض مواقعها المتناثرة سواء في وسط المدينة أو على الأطراف لتتم ضمها في موقع واحد، هي من أهم التوجهات التي تشهدها معظم المدن والولايات الأمريكية. مراكز النقل العام أصبحت مشاريع استثمارية تستهدف توحيد وربط مسارات وسائل النقل العام ليتم خدمة الركاب والمشغلين والمنظمين بطريقة أفضل تحت سقف واحد, فهي بذلك نوع من التجميع الاقتصادي.
وبالنظر إلى تجارب الدول الأخرى يتضح أن هناك كثيرا من التنظيمات والإجراءات التي نفتقدها لمشاريع السكك الحديدة الجديدة. كما أن هناك فجوة كبيرة بين خبرة المملكة في مراكز النقل العام مقارنة بنظيرتها من الدول. وقد يرجع ذلك إلى أن ظاهرة مراكز النقل العام هي ظاهرة جديدة على المجتمع, إضافة إلى أنها لم تجد القبول أو الطلب الكافي عليها من قبل شرائح المجتمع المختلفة أو بسبب بعض العادات والتقاليد وكذلك سيطرة السيارات الخاصة ورخص أسعار الوقود, ما يجعل الإقبال على النقل العام أقل من المعدلات العالمية، ولكن الواضح أن ذلك في طريقه إلى التغير, خاصة بعد الإحساس بظواهر الازدحامات وقلة المواقف التي بدأت في الظهور بعد أن كبرت المدن السعودية وأصبحت تعاني المسببات نفسها التي أجبرت غيرها من المدن العالمية للتوجه إلى النقل العام.
كما يتضح أننا نفتقر إلى التخطيط لمرونة التصميم والتخطيط والأخذ في الاعتبار ما يدور حاليا أو يخطط له مستقبلا لنمو مدننا ومدننا الاقتصادية في استراتيجيات النقل العام والتحسب للنقلة النوعية القادمة في النقل العام ومراكزه, وأن نتذكر أن معظم دول العالم ندمت وتكلفت كثيرا بسب عدم التخطيط المسبق ما أجبرها على تعديل مواقع محطات قديمة ومسارات وربطها بمركز أكثر تميزا، حيث إن مواقع محطات السكك الحديدية كانت في الماضي في مواقع بعيدة عن مواقع مراكز النقل بالحافلات, وكذلك وضع معايير للأمن والسلامة والتصميم لمحطات الانتظار ومدى جاذبيتها، واختيار مواقعها، وجودة الخدمة، والوقت المطلوب للرحلة، ومدى توافر الخدمة في أوقات مختلفة وتوفر المعلومات عن الخدمة، ونظام صرف التذاكر, وأخيرا أن تكون تعرفة الركوب في مستطاع الجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي