مشكلة الإسكان: إنتاج ضئيل.. مساكن كبيرة.. أراض عالية الكلفة

نقاش مشكلة الإسكان في السعودية من منظور تجارب الدول الأخرى لن يجدي نفعا بل سيجعلنا ندور في حلقة مفرغة لأن المعطيات والظروف مختلفة. قطاع الإسكان منظومة متكاملة تتداخل فيها عدة أطراف هي: الجهات التمويلية الخاصة والحكومية والبلديات والمقاولون والعقاريون والمطورون والمكاتب الهندسية والعموم. الاختلاف بين البلدان في القوانين العامة التي تحكم العلاقة بين جميع المتداخلين وتنظم العمليات العقارية والتمويلية ومشاريع الإسكان. ولعل الأزمة المالية التي نشأت من القروض الإسكانية في الولايات المتحدة الأمريكية توضح أهمية الجوانب التنظيمية والقانونية في تنظيم المعاملات وتقنين العلاقة بين جميع الأطراف في قطاع الإسكان. ولكن تبقى مشكلة الإسكان في السعودية حالة خاصة كما هي خصوصيتنا في أمور كثيرة فعلى الرغم من أن السعودية تمتلك اقتصادا قويا وأراضي صحراوية شاسعة متجانسة ليس لها ميزات تفضيلية، إلا أنه مازال الطلب يفوق العرض أو بشكل أدق لا يتناسب العرض مع الطلب. ومن العجيب ألا يستجيب العرض لارتفاع الأسعار وهذا بيت القصيد فمعدل ارتفاع الأسعار أعلى من معدل الزيادة في الكمية المعروضة من المساكن. وحقيقة الأمر يجب التفريق بين أنواع الطلب حسب المستويات الاقتصادية فالمشكلة تبدو أكثر وضوحا وتأزما كلما تدنى مستوى الدخل والعكس صحيح. ومن هنا فإن معالجة مشكلة الإسكان تتطلب سياسات حكومية تركز على توفير المساكن لذوي الدخل المحدود ومن بعدهم الطبقة الوسطى في المجتمع.
السؤال الذي يدور في أذهان كثيرين من الراغبين في تملك مسكن: لماذا تكلفة المسكن في السعودية عالية مقارنة بدول أخرى سواء نامية أو حتى متقدمة؟ والإجابة عن التساؤل ذات شقين: الأول يتعلق بالعمليات العقارية وكيف أن مخططات الأراضي البكر تبدأ في سوق احتكارية تدفع نحو رفع تكلفة بيعها للمطورين بأسعار عالية ومن ثم تبدأ سلسلة من التكاليف المضافة عبر الوسطاء بمن في ذلك الممولون و العقاريون والمقاولون لتستنزف مدخرات ومداخيل المشترين للمساكن. القضية لا تتوقف عند الباحثين عن شراء المساكن ولكن أيضا تطول المستأجرين وهذا أمر بديهي، إذ إن ارتفاع أسعار الأراضي وتكلفة البناء يؤديان إلى زيادة معدل الإيجارات ليس المساكن فقط ولكن أيضا المحال التجارية. وفي المقابل نجد أجور ورواتب العمال والموظفين تبقى على حالها لتلتهم دخولهم وتقلل من قوتهم الشرائية. أما الجانب الآخر للإجابة عن التساؤل فيتعلق بقرارات الأفراد فهناك توجه خاطئ وسباق محموم نحو المبالغة في تكبير حجم المسكن تحت شعار "بيت العمر" ليجد كثيرون أنفسهم بعد أن وقعت الفأس بالرأس أنهم أخطأوا القرار ليس بتكاليف البناء وحسب ولكن بالتكاليف التشغيلية لهذا المسكن الكبير الذي يفوق احتياجات ساكنيه. المشكلة في بناء المساكن أنها تحولت إلى مباهاة اجتماعية وتفاخر بين الناس والطامة الكبرى عندما يكون أولئك من أصحاب الدخول المتدنية أو المتوسطة فتجده وقد شيد قصرا استنزف أمواله وجعله مدينا للبنوك ولغيرهم وفي الوقت ذاته يفوت الفرصة في استثمار أمواله فيما يدر عليه عوائد مالية ويحسن من مستواه المعيشي. وفي دراسة عن المساكن في السعودية وجد أن ما يقارب 35 في المائة المسكن وهي تمثل صالات استقبال الضيوف والطعام والملحقات لا تستخدم طوال السنة إلا في مناسبة محدودة. هذا بلا شك هدر للأموال ليس فقط على المستوى الفردي ولكن أيضا على مستوى المجتمع بأسره، لأن معظم العاملين في قطاع الإسكان من الأجانب ولك أن تتخيل الأرقام الفلكية من التحويلات النقدية التي تتسرب خارج الاقتصاد الوطني.
الحل الاقتصادي هو الإنتاج الوفير للمساكن عبر شركات كبيرة ومنع صغار المقاولين الذين لا يملكون أصول المهنة ويعملون بطريقة عشوائية في ظاهرها رخيصة ولكن في حقيقتها مكلفة على المدى الطويل بما يظهر من عيوب مصنعية تصل حد الخطر. إن الإنتاج الوفير للمساكن يؤدي إلى تقليل متوسط التكلفة خاصة عندما تكون المساكن بأحجام اقتصادية وعندما نقول أحجام اقتصادية لا نعني إطلاقا أن تكون صغيرة وضيقة وإنما المقصود أن جميع الفراغات في المسكن مستغلة استغلالا كفئا دون أن يكون هناك هدر وإسراف. الإنتاج الوفير يؤدي أيضا إلى ضمان الجودة وتحسين التصاميم. وهذا يتطلب تدخل البلديات في فرض معايير بناء مقبولة وتصنيف المقاولين والترخيص لهم بدلا من هذا الانفلات المهني الذي يسمح لك من هب ودب في أن يصبح مقاولا، فالأمر لا يتعدى عددا من الأخشاب والمسامير ومجموعة عمال يسرحون في الشارع!
إن تقنين المهن أمر في غاية الأهمية لضمان حد أدنى من السلامة والجودة. وإذا ما منع هؤلاء المقاولون الصغار وفرضت البلديات أن تبنى المساكن من قبل شركات وسعت لتشجيع هذه الشركات لبناء مساكن بتكلفة مناسبة على قطع أراض صغيرة بتكلفة رمزية فإن ذلك سيؤدي إلى خفض التكلفة، أي بدلا من أن تمنح البلدية أرضا للمواطن تعمد إلى منح شركات المقاولات الكبيرة هذه الأراضي ويتم الاتفاق على تسعير هذه المساكن بأسعار تنافسية والاتفاق مع صندوق التنمية العقارية على تقديم أولوية القروض لهذه المساكن منخفضة التكلفة وبذلك نضمن أن القروض ذهبت لمن يستحقها ومعالجة مشكلة الإسكان للأقل حظا في المجتمع. لكن واقع الحال واقع متشرذم لدرجة أن قروض صندوق التنمية العقارية استفاد ويستفيد منها الأكثر حظا في المجتمع على حساب أولئك الذين وضع الصندوق من أجلهم في المقام الأول ذلك أن صندوق التنمية العقارية يشترط امتلاك أرض مخططة لمنح القرض ويفرض على المقترض أن يبني بتكلفة تساوي أكثر من ضعف القرض! وهذه سياسة أدت إلى تكبير المساكن وتشجيع البناء الفردي.
التمويل جانب رئيس ويسهم في تعقيد مشكلة السكن ولكن يجب ألا يستغرقنا عن النظر إلى جانب التكلفة في التصميم ومساحة البناء والأرض إلى اختيار موقع الأرض ونوعية المقاول فجميع هذه العناصر تحدد مقدار التكلفة الكلية للسكن ومن ثم مقدار التمويل وتبعا مقدار الفائدة التي يتحصل عليها البنك، ولذا لن تعالج مشكلة الإسكان علاجا جذريا إذا لم يكن هناك إعادة تثقيف للمجتمع وتوجيه الإنفاق الحكومي في قطاع العقار نحو الإنتاج الوفير للمساكن. وإذا كان هناك من يقول بمنح القروض لتحقيق حرية أكبر للمواطن للبناء حسب ذوقه وتفضيله فإن واقع الحال يقول بعكس ذلك فالأكثرية يقومون باستنساخ التصاميم والمخططات ويبنون بيوتا متشابهة.
ونافلة القول لان خفض التكاليف عن طريق الإنتاج الوفير للمساكن بمساحات وأحجام اقتصادية هو السبيل لمعالجة مشكلة الإسكان. 

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي