ماذا جنت السعودية من المشاركة في قمة العشرين؟
نستطيع القول بكل ثقة إن مشاركة السعودية في قمة مجموعة العشرين التي عقدت في العاصمة البريطانية لندن في الأسبوع الماضى.. لم تأت من باب النفط كما يقول بذلك بعض المغرضين، بل أتت من خلال حجم الاقتصاد السعودي الذي ُصنّف أنه يحتل المركز الـ 18 الأكبر في العالم.
أمّا أهمية بريطانيا بالنسبة لمكان انعقاد المؤتمر فإن بريطانيا استطاعت أن تكتب النظرية الكنزية على روشتة علاج الكساد الكبير في الثلاثينيات الميلادية، ويبدو أن َقدَر بريطانيا أن تعود مرة أخرى إلى الواجهة وتكتب في العقد الأول من القرن الـ 21 روشتة جوردن براون لعلاج الركود الاقتصادي الذي يتهدد الاقتصاد العالمي والأسواق العالمية.
لقد عقدت قمة مجموعة العشرين اجتماعها التاريخي في لندن، ومن لندن خرجت إلى العالم قرارات على جانب كبير من الأهمية قال عنها الرئيس الفرنسي ساركوزي إنها أكبر مما كنا نتوقع.
وإذا جازت المقارنة فإن قمة لندن خرجت بأكثر مما خرجت بريتون وودز التي جاءت بالفعل بنظام اقتصادي دولي جديد، ولكن الحكم على قرارات قمة العشرين بالنجاح أو عكسه يتوقف على تحقيق الأهداف، ونعتقد أن مجموعة القرارات التي اتخذتها القمة ـ كما سنرى ـ كافية للخروج بالاقتصاد العالمي إلى حالة من الانتعاش تكفي لاستعادة الكثير من قوى السوق في فترة زمنية قصيرة، ولذلك فإن حالة الركود لن تظل طويلاً، وسيشهد الاقتصاد العالمي مع مطلع عام 2010 مظاهر الانتعاش، وقد بدأت تلوح في الأسواق العالمية والمحلية، أكثر من هذا فإن الانتعاش سيؤدي إلى زيادة ملحوظة في ارتفاعات الأسعار خلال عام 2011، وعندئذ فإن مجموعة العشرين في حاجة إلى اجتماع قمة لاتخاذ قرارات مغايرة تماماً للقرارات التي اتخذتها حينما كان الاقتصاد في حالة ركود.
إن أكثر الناس تشاؤماً قالوا إن قرارات مؤتمر قمة العشرين أنها قرارات موفقة وتستطيع أن تنشل الاقتصاد العالمي من الركود وتأخذه إلى التعافي من أمراض الكساد والفساد والانفلات.
ولعل أهم ما اتخذته القمة من قرارات هو أنها وضعت قواعد جديدة للرقابة والإنذار المبكر عن الأزمات قبل وقوعها لكي لا يترك الاقتصاد العالمي ومؤسساته في مهب الريح وعُرضة لهوى مجموعة من المديرين التنفيذيين الذين كتبوا لأنفسهم صكوك العمولات غير المشروعة، وإزاء ذلك قررت القمة تأسيس مجلس عالمي للإنذار المبكر، ووظيفة المجلس إحكام الرقابة على المؤسسات المالية والاقتصادية وتفعيل مبادئ الحوكمة والشفافية والنزاهة منعاً لكل أشكال وألوان الفساد الإداري والمالي، وهكذا دخلت المملكة في مجلس إدارة الكون.
وطبعاً نحن السعوديين فخورون أن تتبوأ المملكة هذا المنصب العالمي الرفيع وتصبح عضواً فاعلاً في مجلس إدارة العالم، ولكن الشيء المهم الذي يتردد على ألسنة السعوديين هو: ما الفوائد الاقتصادية التي سيجنيها السعوديون من القرارات الاستراتيجية المهمة التي شاركت المملكة في اتخاذها من خلال قمة مجموعة العشرين؟
سؤال يقفز بقوة بين تزاحم غفير من الأخبار والمقالات التي امتلأت بها وسائل الإعلام في كل أنحاء الدنيا والتي ـ لا شك ـ أنها تحمل القيمة المعنوية لوصول المملكة إلى قمة مجموعة العشرين.
إن حماية الاقتصاد من آثار الركود سيساعد الأسواق على استرداد عافيتها ونشاطها، وستكون سوق النفط من أوائل الأسواق التي ستسترد عافيتها وأسعارها، بمعنى إن أسعار النفط ستعود ـ في المراحل الأولى ـ إلى مستوياتها الاقتصادية عند حدود الـ 70 دولاراً للبرميل الواحد، ثم تستمر الأسعار في الارتفاع وفقاً لقوى العرض والطلب الذي تحدده معدلات النمو في الاقتصاد الدولي، إضافة إلى أن أسعار البتروكيماويات ستشهد انتعاشا ملحوظاً عند وصول مليارات التحفيز إلى أسواق البتروكيماويات التي اعتمدتها قمة مجموعة العشرين، وحينذاك ستستعيد "سابك" موقعها على خريطة الشركات الكبرى التي تسيطر على أسواق البتروكيماويات، ومن ناحية ثالثة فإن انتعاش الأسواق العالمية وانعكاسها على السوق المحلية سيؤدي بالضرورة إلى عودة الاستثمارات الأجنبية، ثم انتعاش سوق الأسهم السعودية، وهذه مناسبة جيدة أذكر المتعاملين في سوق الأسهم السعودية بأن انخفاض أسعار الأسهم في السوق السعودية يوشك على الانتهاء، وأن الوقت مناسب جداً الآن للشراء بهدف الاستثمار وليس بهدف جني الأرباح العاجلة.
إن عودة المناخ الصحي إلى قنوات ودهاليز الاقتصاد السعودي ُيمكن الحكومة على المضي قدماً في استكمال تنفيذ مشاريع البنى التحتية وأهمها مشاريع المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس والجامعات والطرق، واستكمال سياسات الإصلاح المالي والإداري الذي بدأته الحكومة منذ عام 2006، وفي هذا الصدد قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بمناسبة قمة مجموعة العشرين: ونحن مستمرون كذلك في القيام بدورنا في العمل على استقرار السوق النفطية، كما أننا واصلنا برنامجنا الاستثماري الضخم لزيادة طاقتنا الإنتاجية حرصاً منا على استقرار سوق الطاقة العالمي ولقناعتنا بأن ذلك يخدم مصلحتنا ومصلحة الاقتصاد العالمي، وندعو الدول المستهلكة للتعاون معنا في هذا المجال وتفعيل الحوار بين المنتجين والمستهلكين لما فيه المصلحة المشتركة، وعدم استهداف النفط بسياسات تؤثر سلباً فيه، وحرصاً منا على تفعيل الحوار، فقد بادرنا بالتعاون مع الدول الصديقة لإنشاء الأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي في الرياض.
وإذا كان البعض يأخذ على المؤتمر أنه لم يتخذ قراراً إيجابياً إزاء تغيير الدولار كعملة احتياط دولية بعملة أخرى أو بسلة من العملات أو أي صيغة تنقذ الاقتصاد العالمي من الانهيارات التي تعرض لها الدولار في السنوات العشر الأخيرة، فإننا يجب بأن ُنذكّر أن المؤتمر لم يتغافل عن مناقشة هذا الموضوع المهم جداً، ولكنه أرجأ البحث فيه لوقت تكون الأمور أكثر ملاءمة للتغيير، إذ تغيير الدولار كعملة رائدة له تبعات وخسائر ضخمة يجب أن يدفعها الاقتصاد الدولي وتدفعها كثير من الدول التي ظلت لفترة طويلة تعتمد على الدولار في معاملاتها الاقتصادية، ولا سيما أنه لا يوجد حتى الآن إجماع على بديل جيد عن الدولار كعملة احتياط دولية.
والخلاصة .. إن مؤتمر قمة مجموعة العشرين سيعقد مرة أخرى في نهاية 2009 ليناقش ما تحقق ـ على الأرض ـ من هذه القرارات، وعند ذاك التاريخ فلكل حادث حديث.