رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


شركات الأسمنت: الاندماج الآن .. وليس غدا

عند الحديث عن الاندماج عادة ما يكون هناك بعدان مهمان، الأول يتمثل في فوائد الاندماج والقيمة المضافة للمندمجين والثاني أثر الاندماج في تطوير وضع احتكاري ربما يؤثر سلبا في المواطن. ونضيف هنا بعدا رابعا وحيويا وهو أثر ذلك في قدرة الصناعة المحلية على المنافسة عالميا واستمرار نمو وازدهار الاقتصاد المحلي بشقيه التوظيف البشري والمالي. أبعاد وحدود اللعبة أصبحت تتخطى الحدود المحلية إلى الدولية وأصبح التفكير الآن على مستوى العالم وليس على مستوى الدولة والمنطقة. وبالتالي تظهر لنا وجهتان إيجابيتان مقارنة بنقطة سلبية محلية يمكن معالجتها بفتح الاستيراد وتحديد السعر من خلال آلية محاربة الاحتكار كما هو في صناعة الكهرباء والمياه والاتصالات. وهناك رؤية بأن فوائد الاندماج تفوق عيوبه ولها قيمة مضافة للاقتصاد المحلي على المستوى الدولي في ظل التهديد الحالي نتيجة لتوسع واستحواذ الشركات العالمية في الأسواق العالمية وكثافة المنافسة وضعف الصناعة المحلية في مواجهة المنافسة المنظمة ذات الحجم الكبير عالميا.

أهمية صناعة الأسمنت للاقتصاد السعودي
تعد صناعة الأسمنت خيارا اقتصاديا حيويا واستراتيجيا للسعودية بسبب توافر المواد الخام بكثافة وتوافر مدخلات الإنتاج الداعمة فيه. وإمكانات السعودية لاستغلال القدرات والميزة النسبية المتوافرة لدعم الاقتصاد وتوجيه الإمكانات لتحقيق الرخاء. وبالتالي نتيجة لتوافر الطاقة ومدخلات الإنتاج وتوافر اتجاهات دولية تجاه صناعة الأسمنت من زاوية الطلب وزاوية التلوث وتوافر الإمكانات ظهرت توليفة جديدة على الساحة. ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدأ عملاق الأسمنت لافارج في الاستحواذ والتوسع في مصر والأردن من خلال الاستحواذ على المصانع أو شركات الأسمنت القائمة. أصبح التوجه عالميا نحو تكوين كيانات ضخمة تسيطر على مصادر الإنتاج بدلا من الشركات الصغيرة والانتشار عبر الحدود. الكيانات الضخمة عادة ما تحقق مزايا كبيرة في التعامل وتحريك السوق علاوة على الوفر في التكلفة. المصلحة العامة وقدرة صناعة الأسمنت السعودية على الاستمرار في ضوء نمو الطاقة الإنتاجية ودخول مصانع جديدة وتوافر قدرات مستقبلية للإنتاج تستلزم نوعا من الاندماج والترابط بين الشركات لحماية الاقتصاد المحلي والاستثمارات العامة. فالمنافسة الحالية بين مختلف وحدات الإنتاج سيكون لها أثر سلبي في المدى الطويل، وبالتالي تصبح قضية التعامل مع الاحتكار في ظل توجهات وقرارات وزارة التجارة أكثر من كافية لحماية المستهلك ربما من خلال تسعير المنتجات للسوق المحلي.

متخذو القرار
كبار الملاك عادة هم من يوجه القرار داخل الشركات وبالتالي يمكن لعملية الاندماج أن تتم أو تتحول لاستحواذ حسب الحجم. والملاحظ خلال الفترة من بدء إعلان القائمة إلى اليوم وفي قطاع الأسمنت قامت المؤسسة العامة لمعاشات التقاعد بزيادة حصتها في شركات القطاع بشكل ملحوظ، فبعد أن كانت تمتلك في شركة واحدة (أسمنت الشرقية) أصبحت تمتلك في خمس شركات، كما توسعت المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في حصصها في عدد من الشركات. وحسب الجدول رقم (1) نجد أن صناديق الدولة الثلاث وهي المؤسسة العامة لمعاشات التقاعد (تمتلك في خمس شركات بقيمة 1.241 مليار ريال وبنسبة 3.55 في المائة)، والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية (تمتلك في ست شركات بقيمة 3.4 مليار ريال وبحصة 9.78 في المائة)، وصندوق الاستثمارات العامة (ويمتلك في أربع شركات وبقيمة 4.73 مليار ريال وبحصة 13.52 في المائة)، أصبحوا يمتلكون في سبع شركات ماعدا "أسمنت تبوك" 9.392 مليار ريال وبنسبة 26.85 في المائة. في حين تمتلك أربع عائلات هم آل سعود الكبير والسليمان والشتري والراجحي ومؤسسة مالية هي البنك الأهلي التجاري (الدولة تمتلك حصة كبيرة فيه) ما مقداره 3.331 مليار ريال أو ما نسبته 9.52 في المائة من السوق. ويتضح لنا أن قرار الاندماج في يد الدولة وهو قرار يصب في الصالح العام أي في الاقتصاد السعودي بصورة واضحة، كما أن عملية القضاء على الاحتكار لحماية المستهلك يمكن أن تصب في صالح المواطن والاقتصاد ولا تعجز النظريات الاقتصادية عن أن تحدد أسعار المنافسة الحرة. القضية تكمن في المصلحة الكلية وخاصة للاقتصاد السعودي ولمواجهة ممارسات تتم عالميا والبقاء يكون فيها للأقوى.

الأثر المالي المتوقع
من المتعارف عليه أن الاندماج عادة ما يقضي على المصروفات المزدوجة بين الشركات، ويحقق اقتصاديات الحجم الكبير، ويستفيد من الإمكانات المتاحة. الخوف الوحيد في نظر البعض هو فقدان الوظائف للبعض ولبعض الملاك فقدان القوة من خلال تركز الملكية dilution of equity. وبالطبع المصلحة الكلية ولحماية مكتسبات الاقتصاد السعودي والحفاظ على الميزة النسبية تتعدى الثمن المدفوع على المستوى الشخصي. ومن خلال الجدول رقم (2) نجد بيانات القطاع المجمعة ولسنتين 2007 و2008. وتم النظر للبيانات من زاوية افتراض أن تكاليف الإنتاج ستنخفض بنحو 10 في المائة وافترضنا أن مصروفات التسويق والإدارية ستنخفض بنحو 30 في المائة، وأدى ذلك لرفع الأرباح في عام 2008 بنحو 430 مليون ريال تقريبا، وفي عام 2007 كانت الزيادة 390 مليون ريال تقريبا أي بنحو 10 في المائة. وينجم عن الاندماج شركة قيمتها الدفترية 22.84 مليار ريال وأصول توازي 14.7 مليار ريال وبقيمة سوقية تتجاوز 34.98 مليار ريال.
#2#
الدور المطلوب من الدولة
القضية تقع على عاتق الدولة كونها أكبر مستثمر وراع للاقتصاد السعودي وسند له للحفاظ على المكتسبات وخاصة الميزة النسبية. فقرار الاندماج يؤدي إلى زيادة استفادة القطاع والاقتصاد. وحاليا الدولة في ظل غياب المصالح الفردية وعدم تعارض المصالح لديها والمنفعة في النهاية ستعود بصورة كلية على المجتمع السعودي يجعلها أكثر من مؤهل لقيادة هذا الاتجاه وحماية الاستثمارات المستقبلية في هذا القطاع. ومما لا شك فيه أن سرعة اتخاذ القرار وسهولة اتخاذه من قبل الدولة سيسهل عملية الاندماج ويبسطها في ضوء شركات مقيمة من خلال سوقنا المالي، وبالتالي لن يكون هناك إجحاف بحق المستثمرين. ترك العملية للشركات لن يؤدي إلى القيام بها ونجاحها فالمصالح الفردية عادة ما تغلب على الاتجاه العام والمصلحة العامة وهي طبيعة البشر إلا ما ندر. لهذا كانت النظرة إلى أن الدولة هي الأقدر والأسرع في تنفيذ القرار، والتاريخ في السعودية يحظى بأمثلة ناجحة وعديدة أبسطها ما تم في قطاع الكهرباء ونجم عنه الشركة الحالية بقدراتها وإمكاناتها ولو استمر الوضع في الماضي لما حققت الدولة كثيرا من القرارات في قطاع الكهرباء. قطاع الأسمنت ينصب حول ثروات تعدينية تسهم في نهضة البناء وتحتاج إلى طاقة بترولية للتصنيع، والتوجه الحالي بدخول سبع شركات جديدة وسبع رخص متوقعة يفرض علينا أن يكون هناك شركة ضخمة تستند إلى مكتسبات ومزايا لتحقق النجاح لا الخسائر وربما ضياع الاستثمارات.

مسك الختام
الاقتصاد السعودي والميزة النسبية لقطاع الأسمنت على المحك ومن بيده القرار يمكن أن يتخذه في ظل انتفاء تعارض المصالح وفي النهاية الفائدة ستعم الجميع.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي