لنتهيأ للانطلاق نحو الجودة عبر بوابة المؤشرات العالمية (2)
في السياق ذاته، فإن تحقيق المراكز المتقدمة أو المتأخرة أحيانا قد لا يعني بالضرورة الوصول إلى معدلات قياسية نموذجية لأنها قد لا تكون أهداف الدول أساسا أو أنها وصلت إلى تحقيقها عشوائيا ونتيجة توافق بعض الظروف فقط وبالتالي تحقيقها لا يعني وصولها إلى ما تصبو إليه. لذلك فالمفترض أن تكون هناك أهداف محلية ورغبة لها هوية وطنية نسير بها لبلوغ الهدف بشكل متدرج ومرحلي ومثبت أو مدون لمراجعته عند الحاجة. لقد ضربت ماليزيا لنا كمسلمين مثلا رائعا عندما حققت على مدى السنوات الخمس الماضية ما كانت ترسم له أن اعتلت قائمة أفضل تسجيل للوفيات بمعدل لا يزيد على 2.55 لكل ألف من السكان ومع أن هناك غيابا لمعلومات أكثر من 30 دولة على مستوى العالم إلا أنها كانت تسير بمعدلات أكثر إيجابية مما يجعلنا نستفيد من تطور النظم الصحية والاجتماعية والتعليمية والمعلوماتية لتكون أمامنا تجربة حقيقية ماثلة أمامنا بخلاف ما رصد عن معدل وفيات الأطفال (الإناث) حيث لم نبتعد كثيرا في موقعنا عن المركز 143 من 216 دولة على مستوى العالم.
في أهم معلومة وردت بالنشرة أن نسبة الأميين في المملكة بلغت 22 في المائة، حيث تعتبر في المرتبة 85 من دول العالم حيث تقدمنا في ترتيبنا على مستوى الدول العربية للمركز التاسع، الأمر الذي يؤكد ضرورة تكامل الجهود واستمرار الحوار الوطني وتفعيل توصياته. بالنظر إلى نسبة الأميين بين الذكور فهي لا تتعدى 15-16 في المائة مما يثبت أن الطموح سيصل بنا في وقت قياسي للمرتبة 64, أما إذا تحدثنا عن نسبة الأمية بين الإناث فمرتبتنا هي 87 التي باستعراض الأرقام في جداول التقرير نجد أننا نماثل معظم أنحاء العالم في الاختلاف بين الذكور والإناث رغم توفير التعليم للجميع. بالنسبة لأكثر المجالات حيوية فقد بلغت نسبة العاطلين عن العمل 13 في المائة وهذا خلاف ما ورد في موقع وزارة العمل ووزارة التخطيط والذي أتوقعه خطأ في أحد المصادر الثلاثة حيث إن 13 في المائة في تعداد سكان يصل إلى 27 مليونا قد يعني وجود 3 ملايين شخص عاطل عن العمل وأعتقد أن هذا غير صحيح لعدة أسباب وهي واضحة مما يجعلنا أحيانا نعيد النظر في كل ما ينشر. في حماية البيئة حققت المملكة الأولى خليجيا والرابعة عربياً والمركز 78 في العالم بتحقيق 72.8 في المائة مع العلم أن الأولى هي سويسرا لم تحقق أكثر من 95.5 في المائة مما قد يجعلها تقفر 7 مقاعد وهذا ما يشجع على أننا بقليل من التخطيط والتصميم والاهتمام بالبيئة يمكن بعون الله أن نحسن موقفنا على مستوى العالم. من ناحية الغطاء الخضري فمازلنا في موقعنا الـ80 ونتوقع في ظل سياسة الاهتمام بالبيئة وزيادة الرقعة الخضراء أن نتقدم في هذه المواقع. في معدل النمو الحقيقي بنسبة 4.70 في المائة جاء ترتيبنا عالمياً في المركز الـ 49 ولكن في المركز الـ 11 بين الدول العربية والخامسة في دول الخليج. أما في الصادرات فهي تحتل المركز 20 في العالم بينما تتربع في المركز الأول بين الدول العربية ولم تبتعد كثيرا في الواردات بتحقيقها المركز 36 عالميا وفي المركز الثاني خليجياً وعربياً. وأخيرا فحجم الميزانية وضعها الأولى خليجياً وعربياً والثانية إسلاميا (بعد تركيا) وفي المرتبة 24 عالمياً الذي يدل على نهضة شاملة وتبشر بمستقبل تنموي بإذن الله.
هذه الأرقام التي تنشر على مستوى العالم وتتخذ كمراجع تبنى عليها اقتصاديات وعلاقات وغيرها من المفاهمات والتجاذبات القطرية ستجعلنا أولا نسعى إلى التكامل في الأداء ثم من بعد ذلك الحرص على الانطلاق من حيث ما انتهى إليه الآخرون لأنه لن يكون هناك بداية لأي جودة أو تطوير ما لم نسع دائما إلى تحقيق الأفضل لنا كأُمة. نحن بحاجة إلى دراسة هذه المؤشرات ومقارنتها بشكل علمي لا مجرد مقارنة بيانية أو شكلية أو رقمية سطحية نقرر بها مدى ما تحقق من إنجازات فالجميع يعرف أننا لا نصنف دولة نامية ولا نعتبر دولة صناعية متقدمة ولكننا أصبحنا من بين ذوي الثقل الدولي الذي جعلنا في مقدمة من تحملوا تصحيح الوضع الاقتصادي على المستوى العالمي. لذلك أسلوبنا يحتاج إلى البحث في أصول البيانات وإعادة دراسة المعطيات ومقارنة النتائج بنتائج العام الماضي وقبل 3 و5 و 10سنوات مضت لتكون الخطة الخمسية التاسعة معنية بتحسين المخرجات والاستفادة من خبرات الكفاءات وتوظيف عقول العائدين من ابتعاثهم في التعود على قيادة مسيرة التنمية بثبات.
لقد أصبحنا نبحث عن جودة الأداء في كل مجال ولكننا مازلنا نشعر باستمرار عدم رضا المستفيد, وتفاقم المنغصات في العمل وتفاقم مواطن الخلل, وضعف الاهتمام بالرأي الآخر حتى ولو كان نابعا من بيننا. هذا من وجهة نظري يرجع إلى أن كل المثقفين وأعضاء هيئة التدريس والمستشارين من المختصين وأهل الخبرة يريدون الكمال بوضع مرئياتهم ضمن محددات وأطر ومستندين إلى مراجع وأحداث ...إلخ إلا أنه عند الدخول في التفاصيل نجد أنفسنا نحاول السير على الرصيف أو نحرص عدم إثارة الغبار من سيرنا فوق الرمال وفي الحقيقة كان لابد من التساؤل: هل هناك حسابات لم نشملها في دراساتنا؟ أو هل طريقة العمل ارتجالية؟ أم أننا نعيش فترة لا نفرق فيها بين التطبيق الميداني والتصور النظري؟ في التالي من الحديث نماذج ستساعد على دعم بعض القرارات التنموية والإجابة عن الأسئلة في هذه المرحلة التقويمية, والله المستعان.