رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رفع مستويات الخدمات الحكومية

يجري نقاش على نطاق واسع ومستمر حول قدرة الحكومة على تقديم خدمات بمستويات مرضية للجمهور. وقد أثار الدكتور أمين ساعاتي في مقالته المميزة والمنشورة في عدد الأحد 1/4/1430هـ من جريدة "الاقتصادية" الموقرة عددا من النقاط حول تردي مستويات الخدمات الحكومية رغم ارتفاع الإنفاق الحكومي على هذه الخدمات. وإسهاماً مني في إثراء النقاش حول هذه النقطة، أود هنا أن أشير إلى أن ارتفاع مستويات الإنفاق على الخدمات العامة ضروري لرفع مستويات أدائها، ولكنه بحد ذاته غير كافٍ للحصول على خدمات جيدة ومرضية للجمهور. وتتوقف فاعلية زيادة الإنفاق على أسلوب إدارة ومستوى الكوادر العاملة في المؤسسات العامة. فرفع النفقات يحسن من مستويات الخدمات التي تقدمها المؤسسات الحكومية إذا كانت المؤسسات العامة تحكمها أنظمة مرنة وفاعلة ومتطورة وتدار من قبل كوادر مؤهلة وجادة ونزيهة، أما إذا كانت الإدارة معاقة بأنظمة جامدة وبآلية وغير قادرة على تعظيم العوائد من رفع النفقات فإن الفائدة تتلاشى مع زيادة الميزانيات، بل قد تتحول المخصصات الإضافية إلى هدر للموارد العامة. وتقوم الإدارات منخفضة الكفاءة بتحويل جزء كبير من المخصصات الإضافية أو معظمها إلى خانة مكافآت للعاملين دون مقابل أو في الإنفاق على مشاريع وخدمات غير مستغلة أو غير مجدية أو مبالغ في تكاليفها أو لا تدار بأسلوب جيد. ولكن في الجهة المقابلة فإن خفض الإنفاق يحد من توظيف العمالة الماهرة والضرورية لأداء خدمات جيدة، كما أن رفع الإنفاق ضروري لدفع نفقات بناء وتجهيز المنشآت الحديثة واستخدام التقنية المناسبة والمتقدمة.
ويمكن رفع مستوى الخدمات الحكومية من خلال تبني عدد من السياسات لرفع مستوى هذه الخدمات والتي من أهمها توظيف الكوادر المؤهلة لإدارة وتوفير هذه الخدمات. وينبغي أيضاً تبني الأنظمة والتشريعات التي تدعم رفع مستويات الجودة والإبداع. ولعل من أهم هذه الأنظمة تبني واستخدام معايير الجودة النوعية في الخدمات والمنتجات الحكومية والالتزام بتطبيقها. وقد سبق وأن نشرت عدة مقالات عن استخدام معايير الجودة في المنتجات الحكومية والتي نشرت في جريدة "الاقتصادية" في وقت سابق. ويعد تطبيق معايير جودة للسلع والخدمات الحكومية من أهم وسائل تطوير ورفع نوعية المنتجات الحكومية. ومع أن تطبيق معايير الجودة النوعية للإدارات الحكومية مبدأ جديد ومطبق في قليل من البلدان إلا أنه آخذ في التوسع والانتشار. ومن المؤكد أن تطبيق معايير الجودة النوعية في الأجهزة الحكومية سيجعلها معززة للنشاط الاقتصادي والنمو ويوثق علاقاتها مع الجمهور. ومعايير الجودة المطبقة في المنتجات الحكومية ليست مواصفات لمنتج أو خدمة ولكنها مواصفة لأساليب العمل أو الإنتاج في الإدارات الحكومية. ويهدف استخدامها في الخدمات الحكومية إلى التأكد من أن عمليات التصميم والمعالجة والتوزيع تخرج منتجات ذات نوعية تفي باحتياجات المواطن من المنتج سواءً كان سلعة أو خدمة. وأثبتت تجارب الدول والخدمات (مثل ماليزيا وسنغافورة) المطبقة لمواصفات الجودة النوعية في المنتجات الحكومية نجاحها في رفع مستويات الخدمات الحكومية وارتفاع مستويات رضا مستهلكي هذه الخدمات في تلك الدول.
وانخفاض الإنتاجية وتردي جودة الخدمات والمنتجات الحكومية هما نتيجة لعدد كبير من العوامل، والتي من أهمها ضعف كفاءة الإدارة الوسطى، واعتبار العمل الحكومي من قبل بعض الموظفين استحقاقا من استحقاقات المواطنة، ولهذا يبذلون القليل من الجهد لأداء واجباتهم ويضعف لديهم الالتزام بأخلاقيات العمل. وتساهم بعض أنظمة العمل الحكومية والتي تضمن الاستمرار في الوظيفة حتى مع التقصير الشديد في أداء واجباتها، وعدم محاسبة المديرين والموظفين على أداء أجهزتهم، وانخفاض مستويات تشجيع المجدين في أداء أعمالهم، وارتفاع تأثير المحسوبية أو الواسطة في الترقيات والمكافآت الحكومية، وجمود بعض الأنظمة الإدارية والمحاسبية في انخفاض فاعلية الإدارة الحكومية. كما يعود تردي جودة الخدمات الحكومية إلى عدم انتشار تطبيق معايير الجودة النوعية في المؤسسات الحكومية والذي أدى إلى تكون ضبابية بخصوص أهداف المؤسسات الحكومية لدى كثير من موظفيها. ولا يمكن النهوض بمستويات إنتاجية المؤسسات الحكومية دون تغيير جذري في أنظمة العمل الحكومي بما في ذلك التغيير الدوري لمديري الإدارات وتبني معايير جودة يمكن من خلالها تحديد الفجوات في العمليات الإنتاجية داخل المؤسسات والعمل على التخلص من الأساليب منخفضة الكفاءة ثم اعتماد أساليب العمل السليمة وتنفيذها والمداومة على تطويرها للأفضل. ونجاح كثير من دول العالم في رفع مستوى الخدمات الحكومية من خلال تبني الإصلاحات الإدارية والمالية وتطبيق معايير الجودة يثبت جدواها للدول التي لم تطبقها. وقد مكنت الإصلاحات المالية والإدارية وتطبيق معايير الجودة على الخدمات الحكومية، البلدان المعنية من تحقيق عديد من الإنجازات داخل الإدارات الحكومية. ويمثل الالتزام بالتوقيت وحسن المواعيد والحفاظ على الدقة وحسن التعامل وتوفير المعلومات والتواجد في أماكن العمل والأمانة والأمن وسرعة الاستجابة والكفاءة والفاعلية بعض مزايا إجراءات المؤسسات الحكومية مرتفعة الجودة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي