الأزمة الاقتصادية العالمية ومستقبل الطلب العالمي على النفط
لقد ركزنا في المقالات السابقة على الجوانب الخاصة بالإمدادات النفطية Oil Supply وتداعيتها على أسواق النفط العالمية. وبالتحديد تم التطرق إلى تكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية وتداعيات ذلك على مستقبل الإمدادات النفطية العالمية. ولقد تركز الحديث على تكاليف تطوير وتشغيل الحقول النفطية وتقدير متى وإلى أي مستوى سوف تنكمش هذه التكاليف في ظل أسعار النفط السائدة حاليا، كما تطرقنا إلى تأثير ذلك في وتيرة النمو في المشاريع النفطية العالمية وعلى تداعيات هذه العوامل مجتمعة على الإمدادات النفطية وخاصة من المنتجين من خارج منظمة الأقطار المصدرة للنفط Non-OPEC، وخصوصا على المديين القصير والمتوسط.
في هذه الحلقة سوف نتحدث عن جانب آخر مهم وحيوي في استقرار أسواق النفط العالمية وفي نفس الوقت مهم للدول المصدرة للنفط وهو: الطلب العالمي على النفط في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. في هذا الخصوص سوف نقدم نظرة مفصلة عن مستوى الطلب العالمي على النفط في عام 2008 والتوقعات المستقبلية للعامين المقبلين، موضحين التغييرات التي أدخلتها الدراسات والتحاليل في هذا المجال على توقعاتها السابقة نتيجة الأزمة المالية. وسوف يتم تحديد المجالات الرئيسية للتراجع في مستوى الطلب العالمي على النفط أو النمو، إن وجد، وتحليل أثر الانكماش الاقتصادي في الطلب العالمي على النفط في مناطق رئيسية مثل أمريكا الشمالية، أوروبا، الصين وغيرها.
لقد تغير واقع الطلب العالمي على النفط تغيرا جذريا منذ انهيار أسواق الأسهم العالمية في تشرين الأول (أكتوبر) 2008، نتيجة لأزمة الائتمان العقاري في الولايات المتحدة، والتي تحولت على الفور إلى أزمة مالية واقتصادية عالمية، لا يزال الاقتصاد العالمي يعاني منها حتى اليوم، على الرغم من محاولات الدول التخفيف من حدتها. وحتى ذلك الحين، كان الطلب على النفط في البلدان الصناعية المتقدمة، مثل الولايات المتحدة وأوروبا يتراجع تحت وطأة الأسعار القياسية للنفط التي شهدتها الأسواق العالمية خلال السنتين الماضيتين بالتحديد، ولكن الطلب على النفط في الصين والهند وبلدان الشرق الأوسط وخصوصا المصدرة للنفط منها وغيرها من الاقتصادات النامية كان يزداد باطراد معوضا أكثر من هذا الانخفاض. في بلدان الاقتصادات النامية، الطلب على النفط يميل إلى أن يكون أكثر استجابة لنمو الدخل، وبالتالي، لا يتباطأ بسهولة، وخصوصا إذا بقي الوضع الاقتصادي العام في البلد مستقرا ومحافظا على قوته إلى حد ما.
أما الآن، واقتصادات البلدان النامية هي الأخرى تعاني الانكماش الاقتصادي الحاد، وهو كذلك حال النمو في الطلب على النفط فيها. إضافة إلى ذلك، الطلب على النفط في البلدان الصناعية المتقدمة (الاقتصادات المتقدمة) يتراجع بنحو سريع جدا حاليا. ونتيجة لجميع هذه العوامل، الطلب العالمي على النفط تراجع بنحو 300,000 إلى 400,000 برميل/ يوميا في عام 2008 ، وهو أول انخفاض له منذ عام 1985. إضافة إلى ذلك تشير معظم الدراسات إلى أن الطلب العالمي على النفط في عام 2009، من المتوقع أن ينخفض انخفاضا حادا ما بين 1.0 إلى 2.0 مليون برميل يوميا عن العام السابق، أما في عام 2010، تشير معظم توقعات المحللين إلى أن الطلب على النفط سوف ينتعش، ولكن بصورة قليلة، حيث من المتوقع أن يزداد بحدود 0.5 مليون برميل يوميا أو أكثر بقليل عن 2009، ولكن هذا ليس بعد مؤكدا.
بالنسبة للصناعة النفطية، هذا يعني أنه ستكون هناك فجوة كبيرة بين الطلب الذي كان متوقعا على النفط، والذي على أساسه قامت الصناعة النفطية بالفعل باستثمارات هائلة لزيادة الطاقات الإنتاجية في الصناعات الاستخراجية والتحويلية على حد سواء، والطلب الفعلي حاليا. فعل سبيل المثال قبل تشرين الأول (أكتوبر) 2008، كانت معظم التوقعات تشير إلى وجود نمو في الطلب على النفط بدرجات متفاوتة خلال الأعوام 2008 إلى 2010، ولكن المحصلة كانت إيجابية دائما. وحسب معظم الدراسات هذه الفجوة تقدر حاليا بأكثر من 4.0 ملايين برميل في اليوم. هذا يعني، أن الصناعة النفطية اليوم تواجه فائضا كبيرا جدا في الطاقات الإنتاجية في جميع حلقات الصناعة النفطية: الاستخراجية، التحويلية، الخدمات، الأنابيب، الناقلات البحرية وغيرها. فعلى سبيل المثال: الطلب على الحفارات Rigs في الولايات المتحدة قد انخفض بصورة كبيرة، كما أن الطاقات الإنتاجية الفائضة Spare Capacity في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) قد ارتفعت بصورة حادة جدا، كذلك المصافي قامت بخفض طاقاتها الإنتاجية بصورة كبيرة.
إن الانكماش المتوقع في الطلب العالمي على البنزين والنفتا في عام 2009 مشابه إلى حد ما، الانخفاض في هذه المنتجات في عام 1980 بعد ارتفاع أسعار النفط في عام 1979 ، ولكن مع ملاحظة أن التراجع الحالي في الطلب على النفط هو بالدرجة الأساس نتيجة الأزمة الاقتصادية العالمية، وليس للتطور التقني او تطور في البنية التحتية التي يمكن أن تجعل من الاقتصادات العالمية أقل اعتمادا على النفط في المدى الطويل. ففي أوائل ثمانينيات القرن الماضي، كان الناتج المحلي الإجمالي العالمي GDP ينمو بنسبة 2 في المائة سنويا، والدول المستهلكة للنفط كانت لها القدرة المالية على تسريع بناء البنية التحتية للطاقة، ثم استخدام تقنيات حديثة مثل الطاقة النووية والغاز الطبيعي المسال. ونتيجة لكل هذه التطورات كان الاستعاضة عن النفط سريعا في مجالات الصناعة وتوليد الطاقة، وفي القطاع السكني والتجاري، وفي نفس الوقت كان قطاع صناعة السيارات يعمل بجد على تطوير كفاءة استخدام وقود المركبات أي تقليل استهلاك النفط. وعلى وجه الخصوص، انخفض الطلب العالمي على زيت الوقود بسرعة من 17 مليون برميل يوميا في عام 1980 إلى 12 مليون برميل يوميا في عام 1985 ، مع هذا التحول الاستراتيجي في هيكلية نظام الطلب على النفط، استمر التراجع في الطلب على النفط بغض النظر عن حالة نمو الاقتصاد العالمي، أو أسعار النفط.
الأمر المطمئن للدول المنتجة للنفط في هذا المجال في الأزمة الحالية هو: أن مثل هذا التراجع الحاد في الطلب على النفط الذي شهده العالم في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي، ليس من المتوقع أن يتبع الانكماش الحالي في الطلب العالمي على النفط، وخاصة الطلب على المقطرات المتوسطة والخفيفة. بمعنى آخر أن التراجع الحالي في نمو الطلب على النفط ليس بالحدة والنوعية التي شهدها العالم في أوائل عام 1980. وأنه بمجرد أن يتعافى الاقتصاد العالمي من المتوقع أن يعود النمو في الطلب العالمي على النفط إلى معدلاته الطبيعية.