رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


هل خاطبت "قمة الـ 20".. القرن "الـ 21"؟!.

وقف رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، على مدخل قاعة "قمة العشرين" في لندن، مستقبلا القادة المشاركين في هذه القمة، فردا فردا. ابتسامة استهلالية واحدة، منه ومن ضيفه. لضرورات الكاميرات، وبعدها وجوم مستمر حتى ينقطع المشهد. العالم أجمع كان ينتظر نتائج القمة، وقد لفه الوجوم أيضا، خصوصا وقد سبقتها تهديدات بالانسحاب منها، من قائدي أكبر اقتصادين في أوروبا، هما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي. فهذا العالم يعرف، أن غياب الكبار عن حدث بهذا الحجم، لا يؤدي إلا إلى نتائج صغيرة الحجم، حتى لو كان هذا الاجتماع في بلد محوري عالمي كبريطانيا.
عشية انعقاد القمة، كنت ضيفا في البرنامج الصباحي "البوصلة" الذي تبثه محطة ( سي إن بي سي عربية) يوميا. سألتني المذيعة رولا الطراونة، ما إذا كان ساركوزي وميركل سينفذان تهديدهما، وينسحبا من القمة؟. كان ردي: أن ساركوزي – تحديدا- أطلق التهديد للاستهلاك السياسي والإعلامي فقط. لماذا؟. لأن الواجب العالمي، أكبر في هذه المرحلة التاريخية، من الواجب الوطني، وأقوى من أية معايير شعبية محلية، بصرف النظر عن مستوى غضب الرئيس الفرنسي، من موقفي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، حيال التعاطي مع آليات حلول الأزمة الاقتصادية العالمية. على كل حال، جاءت نتائج القمة - كما قال ساركوزي نفسه بعدها - أكثر مما كان يمكن أن يتخيل.
طرحت "قمة لندن"، بعد 138 يوما من قمة مماثلة في واشنطن، سؤالا كبيرا، يتوازى حجما مع الأزمة العالمية نفسها، هو: هل خاطبت "قمة العشرين" القرن "الحادي والعشرين"؟. هذا السؤال يستولد آخر هو: هل حددت القمة معالم الطريق، ليس فقط لحل الأزمة، بل لتشكيل نظام اقتصادي عالمي، يأخذ في الاعتبار التحولات التي لم يتوقع أحد (حتى "فطاحل" الاقتصاد، وفي مقدمتهم رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق ألان جرينسبان) أنها ستحدث في هذا العصر؟.
الواقع أن "قمة لندن"، خرجت بأقل من تجمع " بريتون وودز" الذي عقد في الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وحدد أطر الاقتصادي العالمي. وأكثر من "قمة واشنطن"، التي اكتفت بتوصيات وقدر من الفوضى، مع عنجهية أمريكية مارستها إدارة بوش السابقة. لقد خرجت القمة، بنتائج تؤدي إلى الانتعاش الاقتصادي، لكنها لا تضمن استمراريته. خرجت بتفاهم القادة وتفهمهم، دون أن تزيل الشكوك تجاه بعضهم بعضا. خرجت وأخرجت من "الجيوب" 1000 مليار دولار أمريكي مؤكد لتحفيز الاقتصاد العالمي، بما في ذلك دعم صندوق النقد الدولي، ووعدت (دون تأكيد) بـ 4000 مليار أخرى بحلول عام 2010. خرجت بحل واحد.. لا بحلول. خرجت بخطة.. لا بسياسات.
لا أريد أن أجرد القمة من أهميتها، ولا من وزنها. وأقول أكثر من هذا: إن العالم في أعقاب القمة، بات أفضل حالا مما كان عليه قبلها. فرغم ثغراتها، كرست حقيقة، لا يمكن أن تكون لها أهمية، إذا لم تطرح في تجمع بهذا المستوى. حقيقة أن الانكماش الاقتصادي العالمي والأزمة المصرفية العالمية، مشكلتان لا يمكن حلهما، إلا بوضعهما ضمن إطار واحد، خصوصا وأن الأزمة نفسها انطلقت من النظام المصرفي. ونجحت القمة أيضا بإنشاء مجلس عالمي للاستقرار المالي يعمل مع صندوق النقد الدولي ليقدم آلية "إنذار مبكر" للنظام المالي، كما حسمت قضية "الملاذات الضريبية الآمنة"، التي تنتشر في هذا العالم، والتي ترتبط بها مسألة الحسابات السرية المصرفية. ونجحت أيضا.. وأيضا في التعلم من الماضي.
لكن مرة أخرى، هل كانت "قمة العشرين"، بمستوى متطلبات القرن الحادي والعشرين؟ الإجابة القصيرة عن هذا السؤال هي: لا. ومع اعترافنا بـ "تاريخية" هذا الحدث (بالمناسبة وزراء مالية الدول الكبرى وصفوا القمة بالتاريخية، مستعيرين الوصف العربي لأي حدث عربي)، إلا أن الغائب عنها، كانت السياسات الجديدة التي انتظرها العالم. سياسات تضع نظاما اقتصاديا جديدا. وإذا كان القادة – كما قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما- تعلموا من الماضي، فقد فاتهم في "قمة لندن"، أن النظام الاقتصادي الحالي، الذي وضع في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لم يعد صالحا، وأن أي تجمع على هذا المستوى، يجب أن يطرح القضية كبند أساسي، لا كحالة يمكن أن تتطور بفعل إجراءات محددة في نطاق محدد. فـ " نظام بريتون وودز" الاقتصادي الذي تسيد العالم، على مدى أكثر من ستة عقود، ليس له مكان في عالم متجدد ومتحول. عالم تغيرت فيه معايير مفهوم "الكبير"، تماما كما تغيرت فيه معايير قيمة " الصغير". والمفارقة أن العالم الجديد، أحدثته أزمة، ورسمته كارثة اقتصادية!. ولا يزال في طور التشكيل.
هنا تأتي مسؤولية الكبار. لا أحد توقع أن تخرج "قمة لندن"، بنتائج نهائية. لأن الأزمة متجددة ومتفاعلة، لا تخضع لمعايير التقييم النهائي. ولا أحد انتظر الخلاص، بمجرد انعقاد القمة، ولا أحد أمل بإعلان منها عن انتهاء الأزمة. فالكارثة عظيمة، وتحتاج إلى الكثير من الوقت والعمل والثقة .. وحتى الأمل. لكن كان من الأفضل للعالم أجمع، أن يتم الإعلان من لندن عن " نظام دوكلاند" - نسبة للحي الذي عقدت فيه- الذي يجب أن يتضمن قرارا بدفن نظام" بريتون وودز"، إلى الأبد، خصوصا وأن القادة المجتمعين اتفقوا على وسائل تطور الجوانب الإيجابية من النظام السابق، في مقدمتها، الدعم الكبير لصندوق النقد الدولي، الذي ولد عمليا في " بريتون وودز". إن النظام المطلوب الذي لم ينشأ من خلال قمة مجموعة العشرين، كان يمكن أن يتبلور أكثر في قمة المجموعة المزمعة في الخريف المقبل، وكان يمكن أن يطمئن الخائف، ويهدئ أكثر..ضربات الأزمة العالمية. كان يمكن أن يحفز الدول التي دخلت حديثا إلى "نادي الكبار"، للعمل باندفاع أكبر، في مجال إصلاح الاقتصاد العالمي. كان يمكن أن يضع الستارة نهائيا على النموذج الأنجلو- سكسوني الاقتصادي، الذي انتقده الجميع دون استثناء.
إن "قمة لندن" - على أهميتها وتاريخيتها- تخاطبت مع مرحلة لا تزيد على العامين، بينما لم تتخاطب مع القرن الحادي والعشرين. فمتطلبات هذا القرن، لم تعد كما كانت في بداياته - رغم حداثته الزمنية - لأن الأزمة الاقتصادية العالمية، فرضت متطلبات جديدة لم تكن في الحسبان، عززت بدورها المطالب بإقرار نظام اقتصادي جديد. هذه القمة عملت - وستعمل - على تقصير مدة الكساد الذي يشهده العالم – رغم أن أحدا لا يستطيع أن يتنبأ بمساحة هذه المدة - لكنها لم تضع أسا واحدا للنظام الجديد المطلوب. إنها تميزت بأخلاقيات "اقتصادية"، غابت عن الساحة الاقتصادية العالمية سنوات طويلة، لكنها لم تضع هذه الأخلاقيات ضمن وثيقة واضحة المعالم والمآرب. تميزت بتفهم أمريكي عالي المستوى، لحقيقة أنه توجد في العالم، بلدان أخرى غير الولايات المتحدة الأمريكية، لكنها لم توثق هذا التفهم. أتفق مع أولئك الذين وجدوا في القمة، نجاحا كبيرا غير متوقع، وأتفق معهم أيضا على أنها أفضل عشرات المرات من سابقتها. لكنني أجد صعوبة في الاتفاق مع أولئك الذين لاحظوا فيها ولادة نظام اقتصادي عالمي جديد.
لقد كانت قمة تاريخية بالفعل، لكنها ظرفية.. لا استراتيجية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي