مصفاة جازان في ميزان المنظور الاقتصادي

دخلنا مرحلة جديدة في إطار الاستعدادات حول مشروع مصفاة جازان وذلك من خلال تحديد المؤهلين الذي يسبق تسمية المستثمر المطور في الأشهر القادمة. الفكرة بدأت برغبة في تطوير هذا الجزء من البلاد وتنويع القاعدة الاقتصادية. يقابل هذه الرغبة الأبعاد الاقتصادية حول بناء هذه المصفاة البعيدة عن مصادر النفط، والفرصة البديلة في اقتصاد المنطقة. كما أن هناك سؤالاً أكبر: هل من الحكمة أن تتركز عملية إنتاج وتكرير الصناعات النفطية في المملكة؟
الواضح أن المطور المحتمل سوف يطلب دعماً مجزياً للتعويض عما يعرف عن التكرير من ضعف هامش الربح من ناحية والتوسع في مشاريع قائمة في الأساس على الدعم غير الاقتصادي. هناك أربعة مواقع في الجبيل ورأس تنورة وينبع ورابغ بالحجم والقاعدة الصناعية المستدامة. شركة أرامكو مع القطاع الخاص دخلت في مشاريع ضخمة مع "سموتمو"، كما أن هناك مساعي مع الشركات أخرى مثل "توتال" و"داو". ولذلك فإن مصفاة جازان تبقى حالة فريدة بعيدة عن هذا التوجه العام.
إحدى الممارسات الاقتصادية في المملكة هي السعي نحو ذلك التوجه الأفقي والرغبة في توزيع المشاريع جغرافياً دون التمحيص في الميزة التنافسية لكل منطقة.
فتجد هناك رغبة في مدينة صناعية في سدير أو المدينة المنورة.وهذه وإن كانت رغبات طيبة ولكنها تفقد الميزة التنافسية التي تضفي طابع الاستدامة على المشاريع الاقتصادية. للمدينة المنورة ميزة تنافسية خالدة في الزيارات والسياحة الدينية ولا يمكن لمصنع أسمنت أو بلاستيك أن ينافس تلك القيمة. لذلك فإن من الأفضل المراهنة على تلك الميزة الدينية. وكذلك منطقة جازان لديها مزايا في توافر الأراضي الزراعية الخصبة وتوافر المياه النسبي في أودية تهامة، وكذلك تتمتع جازان بفرصة أخرى في الصناعة السمكية والشواطئ البكر. لن تستطيع مصفاة صغيرة أن تنافس هذه الميزات في المدى البعيد مهما حسنت النوايا أو وفرت عشرات الوظائف في ظل دعم غير اقتصادي في المنافع أو غيرها. الجدير بالذكر أن ربع تكاليف إنشاء المصفاة يمكن أن يوفر وظائف أكثر في الصناعات الغذائية ذات العلاقة بالزراعة. بل إن ميزة جازان الاقتصادية قد تزداد نسبيا في السنوات القليلة القادمة، وما عليك إلا مقارنة أسعار النفط ومشتقاته مع أسعار المواد الغذائية الرئيسة.
الحاجة إلى تطوير هذا الجزء من البلاد تتطلب التركيز على التفكير في الميزة النسبية من خلال تفكير جديد حول أفضل النماذج لإدارة عملية التطوير الزراعي والسمكي والصناعات ذا ت العلاقة. لعل شركات مثل "صافولا" و"المراعي" وغيرهما أهم من شركة أرامكو في جازان. استطاعت الدنمارك تحقيق أرقى المستويات الاقتصادية والتنموية من خلال القطاع الزراعي. طاقة وإبداع ورغبة أهالي المنطقة في التعليم مصدر إنتاجية لا ينضب. استغلال هذه الطاقات والموارد من خلال الأخذ بنماذج إدارية زراعية جديدة سوف يسهم في تطوير المنطقة ويعمق الاقتصاد السعودي قطاعيا.
حان الوقت للمراهنة على الميزة النسبية والتخلص من النماذج الفكرية القديمة. السؤال الأكبر حول اقتصاديات التكرير وتركيز سلم القيمة المضافة في الصناعة النفطية في المملكة في ظل توجه خارجي رسمي علني لأسباب سياسية واقتصادية وبيئية ضد هذه الصناعات يحمل مخاطر يجب التنبه لها. سوف نناقش هذا الموضوع الدسم في مقالات قادمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي