رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


"البشير" و"أوكامبو".. من يخسـر الرهان؟!

أرجو ألا يفهم من كلامي هذا أنني أريد أن أُبسّـط وأخفف من خطورة الأزمة التي يتعرض لها السودان بسبب قرار محكمة الجنايات الدولية بتأييد ما طلبه المدعي العام لويس أوكامبو بإلقاء القبض على الرئيس السوداني عمر البشير لمحاكمته على سلسلة من الجرائم، زعم المدعي العام أن الرئيس عمر البشير ارتكبها هو وأعوانه في إقليم دارفور!!
كما أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أذهب مع الذين يقولون إن هذه الأزمة ستقصف رقبة السودان وتدمر الكيان والدولة إذا لم نسلّم البشير وزمرته لمقصلة أوكامبو.
ولذلك إذا وضعنا الأزمة في حجمها وإطارها الطبيعي بعيداً عن مزايدات المعارضة السودانية التي يقودها ـ للأسف الشديد ـ حسن الترابي والمهدي، فإننا نجد أن قراراً ظالماً ومجحفاً قد صدر عن محكمة جنائية أنشأها الغرب وفصّلها على مقاس زعماء العالم الثالث الذين لا يمررون مشاريع الغرب ويقفون حجر عثرة أمام أهوائه وغواياته، هذا القرار صدر في هذه المرة ضد رئيس جمهورية عربية إفريقية، وبناء على حيثيات سياسية وكيدية مشكوك في صحتها وعدالتها.
ومنذ التلويح في العام الماضي بصدور هذا القرار المريب.. عبرت جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي عن اعتراضهما لهكذا قرار، وطالب العرب والأفارقة بضرورة أن تتريث المحكمة ولا تنزلق في قضية سياسية مفبركة ومريبة، وستؤدي بالضرورة إلى إشعال الفتن في السودان وإلى إثارة القلاقل والاضطرابات، ولا تساعد ـ بأي شكل من الأشكال ـ على استقرار السودان.
ولكن رغم أن جامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي يمثلان ثلث سكان الأرض.. إلاّ أن المدعي العام لويس أوكامبو ركب رأسه وأصدر قراره ضد الرئيس عمر البشير في تحد سافر لهاتين المنظمتين الدوليتين.
من ناحيته فقد رفض السودان القرار، وقام البشير بتوجيه نقد لاذع للقرار المغرض، وإمعاناً في مخالفة القرار قام الرئيس البشير بزيارات لعدد من الدول العربية والإفريقية ضارباً بالقرار الجائر عرض الحائط.
ومن هنا أخذت قضية البشير بعداً شخصياً إضافة إلى البعد السياسي وأصبحت المواجهة عنيفة بين البشير من ناحية، وبين المدعي العام لويس أوكامبو من ناحية أخرى، فالبشير يرى أن القرار ظالم وجائر ويجب إلغاؤه وإنزال أشد العقوبة بمن أصدره أو أيده، بينما يرى لويس أوكامبو أن إلغاء القرار هو إلغاء له شخصياً، بل إلغاء لمحكمة الجنايات التي وضعت في أيد غير أمينة حتى أصبحت في موقف لا يحسد عليه، وهكذا أصبحت قضية البشير/ أوكامبو قضية رأي عام عالمي وليست قضية جنائية!
والحقيقة أن القرار حينما صدر لم يلق ترحيباً واسعاً من معظم دول العالم حتى الولايات المتحدة الأمريكية، فقد صرح الرئيس أوباما بتصريح مقتضب جاء فيه أن قرار ملاحقة الرئيس السوداني عمر البشير مسيس وهو لا يعنيه كثيراً، كما أن الدول الكبرى بريطانيا وفرنسا وألمانيا مشغولة بأمور أهم بكثير من قضية البشير وأوكامبو، إذ إن براثن الأزمة المالية العالمية تضرب بعنف قواعد النظام المالي الغربي، وتنذر بعواقب وخيمة إذا لم تنهض الدول الكبرى على عجل لوضع الحلول السريعة لإنقاذ الاقتصاد الغربي من أزمة تعد الأشرس في تاريخه الحديث.
إن التحرك الذي يقوم به المدعي العام لويس أوكامبو مريب للغاية، فهو لا يكتفي بإصدار مذكرة توقيف ضد البشير، ولكن يتجاوز دوره القضائي ويقوم بمهمة الركض خلف تنفيذ الحكم، أي أنه يتجاوز سلطاته القضائية إلى القيام بوظائف السلطة التنفيذية.
أمّا الموقف الذي سحب البساط من تحت أقدام المحكمة الجنائية، فهو القرار العربي الشجاع الذي اتخذته القمة العربية التي عقدت في الدوحة، وطالبت بسحب القرار واعتباره كأن لم يكن، مما يعني أن كل الدول العربية ترفض القرار جملة وتفصيلاً، مع الإعلان الصريح أن هذه الدول تقف مع الرئيس عمر البشير في مواجهة قرار المحكمة الجائر.
إن محكمة الجنايات الدولية تعاطت أربع حالات، كلها في إفريقيا، وكان السودان آخرها، حيث سبق أن وجهت قرارات الاتهام إلى أوغندا والكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، ولم تستطع توقيف أكثر من سبعة أشخاص من أصل 13 شخصاً، ولعبت السلطات المحلية دوراً كبيراً في القبض على الأشخاص السبعة، ولولا تعاون السلطات المحلية لما استطاعت محكمة الجنايات الدولية الوصول إليهم.
ولذلك فإن حالة الرئيس عمر البشير ستكون أبعد من أن يطولها أوكامبو، لأسباب كثيرة أهمها أن البشير استطاع أن يكسب الرأي العام السوداني، كما استطاع أن يستجمع حوله تأييداً عربياً وإفريقياً كاسحاً، إضافة إلى أن الموقف الأوروبي منقسم حيال الطريقة التي يتعامل بها مع البشير.
في ضوء هذا الموقف الذي عليه الرئيس البشير، فإن الكلام المتشائم والمغرض الذي يلوكه ويتشدق به حسن الترابي والمهدي ليس له أساس من الصحة، والسودان قوي بأشقائه العرب والأفارقة، وعلى السودانيين في المعارضة أن يتخذوا الموقف نفسه الذي وقفه الأشقاء العرب والأفارقة، على السودانيين جميعاً أن يقفوا مع سودانهم وألا يقفوا مع المحكمة ومع من يقف خلف المحكمة لأغراض يعرفها الجميع!!
وإذا شئنا إنصاف الحكومة السودانية، فإننا نقول إن التدخل الدولي في أزمة دارفور بأجنداته المتضاربة هو الذي أشعل الفتن بين الطوائف، وهو الذي مزق كل اتفاقيات السلام التي وقع عليها كل الفرقاء ثم تراجع البعض عن الاستمرار في تنفيذ بنودها.
ولذلك فإن الحل يصبح ممكناً إذا بعد التدخل الأجنبي بأجنداته المتضاربة، وهنا يجب أن تبادر الحكومة السودانية وتجمع حولها كل القوى والفصائل للاتفاق على آليات عادلة يمكن من خلالها تنفيذ الاتفاقيات العربية والإفريقية التي سبق إقرارها من كل الفصائل، وإذا لزم تعديل هذه الاتفاقيات فلا بأس في ذلك.
ومن ناحية أخرى فإن الحكومة السودانية مطالبة ـ من ناحيتها ـ بتقديم المتهمين بارتكاب جرائم حرب في دارفور إلى محاكمة عادلة تردع المذنب وتهدئ النفوس وتجعل مناخ المصالحات واستتباب السلام ممكناً.
أيضا هناك دور للقطاع العربي الخاص في إرساء أسس الاستقرار والسلام في ربوع الأرض السودانية العربية الطيبة، ونعرف أن معظم سكان دارفور يسكنون العراء أو يسكنون العشاش، ولذلك يكون من المناسب جداً أن يبادر الأثرياء العرب في الخليج أو في البلاد العربية الأخرى إلى بناء مدن إسكانية في أقاليم دارفور ليعم الاستقرار في هذه المدن ويشعر السكان أن أشقاءهم في البلاد العربية والإسلامية يساهمون في حل شظف العيش الذي يعانونه.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي