احتمالية المصالحة المثيرة
بعد قرابة ثلاثة عقود من القطيعة التي تخللتها تبادل الشتائم، يفكر الزوجان في المصالحة. ولا تزال هناك ذكريات مريرة مليئة بالإهانات والإذلال. ويعرض معارفهم المشتركين، الذين يخشون من تطور الأمور بينهما، التوسط للمصالحة. وكانت التعاملات الأولية حادة، ولكن على الأقل تم كسر الصمت المميت.
وقد كان الرئيس باراك أوباما لا يزال مراهقا حين قطعت أمريكا العلاقات مع حليفتها السابقة، إيران، بعد أن احتل الثوريون الإسلاميون السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. ومنذ ذلك الحين، تحول العداء المتبادل، الذي يظهر في المواجهات العسكرية، وأعمال التخريب، والتيار المتواصل من القدح والذم، إلى خصومة استراتيجية أوسع نطاق. ولكن في العشرين من آذار (مارس)، وفي خطاب تم بثه على التلفزيون في اليوم الذي يحتفل فيه الفرس بعامهم الجديد، عرض أوباما رؤية جديدة، تعد بحل الخلافات عن طريق الدبلوماسية وتدعو "جمهورية إيران الإسلامية"، كما وصفها بشكل مهذب، إلى "اتخاذ مكانها الصحيح في المجتمع الدولي".
ومن خلال الاعتراف الضمني بشرعية النظام الذي تعادي قيمه الدينية دولته، انشق أوباما عن نهج سلفه، جورج بوش، الذي كان دائما يميز في خطاباته بين الشعب الإيراني (الطيب الساعي للحصول على الحرية) وبين القيادة العليا غير المنتخبة (الشريرة والقمعية)، ويحاول بكل الطرق زعزعة حكم رجال الدين.
وعلى النقيض من ذلك، عرض أوباما في خطابه على إيران "الشراكة"- ولكنه أضاف بغموض أن هذا مشروط بأن يظهر الإيرانيون نواياهم السلمية. ومع أنه أشار بصورة غير مباشرة إلى دعم إيران للجماعات العنيفة التي تعارض حق إسرائيل في الوجود، إلا أن الرئيس امتنع عن الإشارة بصورة مباشرة إلى برنامج إيران النووي المثير للجدل، الذي يعتبره الإسرائيليون خطرا يهدد وجودهم، أو إلى انتهاكها لحقوق الإنسان. وشعر بعض المسؤولين السابقين في إدارة بوش بالذعر.
وجاء رد إيران على الفور- وكان حذرا بطبيعة الحال. فقد تلا المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، قائمة تضم أعمال أمريكا الشريرة، خاصة دعمها للرئيس العراقي، صدام حسين، في حربه مع إيران في الثمانينيات. وحث أمريكا على تغيير سلوكها، وليس فقط لهجتها. ولكنه وعد بتبني سياسة قائمة على العقل وليس العاطفة؛ سيتم الحكم على أوباما وفريقه وفقا لأعمالهم.
وقد تكون تلك خطوات أولى متواضعة. فقد شدد استعراض الإدارة لسياسة أمريكا نحو إيران، التي قاربت على الانتهاء، لأولئك المعنيين مدى تأثير انتشار عداء أمريكا لإيران على صنع السياسة في جميع أنحاء المنطقة. فعلى سبيل المثال، يتسم عداء أمريكا لجماعات مثل حماس في الأراضي الفلسطينية وحزب الله في لبنان بالتصور القائل إنهم وكلاء لإيران. ومن الجدير بالذكر أيضا أن رغبة أوباما في تحسين العلاقات مع روسيا مدفوعة جزئيا بأمله بأن يضغط الروس على إيران بصورة أقوى للتخلي عن طموحاتها النووية. كما أن للخبراء الأمريكيين المختصين بإيران تأثيرا كبير في السياسة تجاه العراق وأفغانستان، الذي منح احتلالهما قادة إيران فرصا غير مسبوقة للدفاع عن مطالبتهم بأن تصبح إيران قوة إقليمية. وفي الواقع، قد تبدأ جهود الانفراج في العلاقات على الحدود الإيرانية.
والإشارات مهمة جدا. فوفقا لمسؤول في الحكومة العراقية، قلل الحرس الثوري الإيراني تدخله في العراق منذ تنصيب أوباما. وتوفر أفغانستان الآن، التي تعتبر موضوعا يستحوذ على الاهتمام الرئاسي، فرصة لتعاون علني بشكل أكبر.
وتريد أمريكا أن تغري إيران عن طريق تقديم عرض للمساعدة على وقف تدفق المخدرات إلى إيران، التي ربما يوجد فيها نحو مليوني مدمن. ومن جانبهم، يريد الإيرانيون أن يضمن لهم أوباما أنه لن يحاول استبدال الرئيس حميد قرضاي الذي لم يعد مرغوبا فيه، والذين ساعدوا على تثبيته، بشخص آخر، أو عقد اتفاقيات مع المنشقين من طالبان المناهضة لإيران؛ لمّح أوباما أخيرا إلى تبني مثل هذا النهج. ويعتقد بعض قادة الناتو أن إيران قد توفر طريق إمدادات لجنودها إلى أفغانستان، أكثر أمنا من ممر خيبر من باكستان، الذي تتم مهاجمته بشكل منتظم الآن من قبل طالبان.
لذا، سينصب الاهتمام الآن على الوفد الإيراني الذي يتوقع أن يحضر اجتماعا كبيرا لمناقشة قضية أفغانستان في لاهاي في الحادي والثلاثين من آذار (مارس). إلا أن الأمريكيين لا يتوقعون ردا إيرانيا حاسما على عرضهم إلا بعد الانتخابات الرئاسية في إيران في حزيران (يونيو)، حيث يأملون أن يخسر الرئيس الحالي، محمود أحمدي نجاد، الذي أحدثت خطاباته العنيفة ضد إسرائيل عداء جريئا، لصالح مرشح أكثر اعتدالا.
وهناك أيضا احتمالية طرحها Dennis Ross قبل ترؤسه استعراض السياسة الأمريكية، وربما هي جارية الآن، بإنشاء قناة خلفية. وقد يقلل هذا احتمالية حدوث تصادم بين دولتين نسيتا كيف تتحدثان إلى بعضهما بعضا.
وسيكون التعاون في أفغانستان بمثابة البداية. ولكن بالنسبة لأوباما وحلفائه الأوروبيين، وكذلك بالنسبة للحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة بنيامين نتنياهو، لا يزال الاختبار الحقيقي هو تقدم إيران نحو الاكتفاء الذاتي في إنتاج الوقود النووي، الذي قد يسمح لها، ربما في غضون أشهر (تتفاوت التقديرات)، بتصنيع قنبلة. وتنكر إيران مثل هذه الطموحات؛ ولا ترغب إسرائيل في الانتظار واكتشاف ذلك فيما بعد.
ويأمل أوباما شراء الوقت عن طريق إقناع روسيا بعدم تسليم نظام الدفاع الصاروخي الذي طلبته إيران، الذي قد يؤدي نشره إلى التعجيل بشن هجوم إسرائيلي على مواقع إيران النووية. ويبدو أن نتنياهو، بوصفه سياسيا معارضا، يؤيد مثل هذا الهجوم. وقد يبطئ الإيرانيون سرا إضافة المزيد من أجهزة الطرد المركزي إلى مجموعتهم الكبيرة في ناتانز، في وسط إيران؛ وبغير ذلك، سيشعر مؤيدو الانفراج في العلاقات بشعور غير مريح بأن الوقت بدأ في النفاد.
ويُقال إن إدارة أوباما حذّرت إسرائيل من أن مهاجمة إيران ستكون لها نتائج عكسية، حيث ستحفزها على مضاعفة تطوير الأسلحة النووية سرا وربما زرع الفوضى في العراق وأفغانستان والخليج. إلا أن الجماعات الموالية لإسرائيل في الوطن تلح بشدة على أوباما للنظر بعين العطف إلى احتمالية شن هجوم إسرائيلي استباقي.
وإذا فشلت المشاركة، قد تستخدم الإدارة عوامل التأثير المالية للضغط على إيران بقوة أكبر. ويعتبر Stuart Levey، المسؤول في وزارة الخزانة الذي أدت أساليبه في لي الذراع التي مارسها على البنوك في جميع أنحاء العالم إلى تجفيف خطوط الائتمان جزئيا إلى إيران، أحد المسؤولين القلائل في عهد بوش الأب الذين ظلوا على الرغم من تغيير الإدارة. ويعتقد بعض الأمريكيين أن هذا النوع من الضغط أكثر نجاحا.
إلا أن الضغوط المالية قد تكون أقل فعالية هذه الأيام بسبب الاعتقاد المتزايد في إيران بأن قوة أمريكا بدأت في التلاشي، وأن اقتصادها قد انهار. وفي عام 2003، حين تجاهلت أمريكا تلميحات إيران بعقد صفقة كبرى، كان رجال الدين الحاكمون يسعون إلى قبول أمريكا لأنهم كانوا يخشون غضبها. ولكن لم يعد الأمر كذلك. وكما قال الملا الأبيقوري حين دعي إلى تناول بعض الهلام، "إذا كان معززا بهذه الصورة، فلماذا يهتز كثيرا؟"