رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


سؤال: لماذا التكلفة باهظة والخدمة ضعيفة ومتواضعة؟

الناس يتساءلون لماذا تدفع الحكومات أكثر، ولكن ـ مع ذلك ـ تقدم خدماتها لمجتمعاتها ضعيفة ومتواضعة؟ وفي المقابل لماذا يدفع القطاع الخاص أقل ويقدم خدمة أرقى وأفضل؟
ونذكر على سبيل المثال إذا ذهب المريض إلى مستشفي حكومي فإنه يلقى خدمة متدنية ومتواضعة، ولكن إذا ذهب إلى مستشفي خاص فإنه يلقى خدمة جيدة وعالية الجودة، وإذا ذهب المراجع إلى البلديات فإنه يفاجأ بخدمات متواضعة أيضا، ولكن إذا كانت الخدمة البلدية تقدم من خلال مرفق خاص، فإنها تتميز بالجودة وحسن الأداء، وإذا ذهب المواطن إلى مصرف حكومى فإنه يلقى خطاً طويلاً من الروتين المعقد، بينما إذا ذهب إلى بنك يتبع القطاع الخاص فإن أموره تتم في يسر وسيولة، وقس على ذلك الطلاب في المدارس الحكومية والطلاب في المدارس الخاصة، وقس على ذلك فضائيات القطاع العام وفضائيات القطاع الخاص!
إن دراسة الجودة في أداء الخدمة دائماً تأتي من خلال التكلفة، فإذا زادت التكلفة فإن الخدمة يجب أن تكون عالية، أمَا إذا انخفضت التكلفة فإن الخدمة تكون متدنية ومتواضعة.
ولكن بالنسبة للخدمات الحكومية فإن المعادلة معكوسة تماماً، بمعنى أن تكلفة الخدمات الحكومية عالية جداً، ومع ذلك فإن خدماتها متدنية، بل وأحياناً متدنية جداً!
هذه المعادلة المعكوسة كثيراً ما حيرت علماء الإدارة العامة، وهم لذلك يعيشون في حالة سؤال دائم: لماذا الميزانية السنوية لوزارة الصحة تتعدى مليارات الدولارات، ومع ذلك فإن الخدمة الصحية في المستشفيات الحكومية في أدنى المستويات في مقابل ميزانيات متواضعة وخدمات صحية أفضل في مستشفيات القطاع الخاص؟ ولماذا ميزانية وزارة البلديات تلامس مليارات الدولارات ومع ذلك لم تطور خدماتها؟ ولماذا ميزانية وزارة التربية والتعليم تناطح الأرقام الفلكية مع أن التعليم الخاص يسبق بمراحل التعليم العام؟ ولماذا ميزانية وزارة الثقافة والإعلام تتجاوز المليارات ومحطاتها الفضائية تتراجع كثيراً إذا قارناها بفضائيات الشرق الأوسط وغيرها من الفضائيات الخاصة التي تنتشر في السماوات المفتوحة!
أسئلة كثيرة تعبر عن تواضع الخدمات الحكومية التي تكلف الحكومات كثيراً مقابل خدمات أفضل يقدمها القطاع الخاص بتكلفة تقل كثيراً عن تكاليف القطاع الحكومي!
في أتون هذه المعضلة التي تعانى منها كل الحكومات في كل أنحاء الدنيا نهض الأمريكي ديفيد أسبورن ونادى بمشروع إعادة النظر في الموروث الإداري المتعفن، وذلك من خلال إعادة اختراع الحكومة، أي ضرورة إخراج الخدمات الحكومية من سجن أداء الخدمات المجانية إلى فضاء أداء الخدمات المفوترة، أي أداء الخدمات مدفوعة القيمة والفاتورة المحققة للربح مثلها مثل الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص في السوق بهدف الربح.
وهكذا حمل ديفيد أسبورن معول هدم الطقوس الإدارية القديمة التي ظلت لسنوات طويلة تسلم أن الحكومة هي التي تقدم الخدمات المجانية للناس دون مقابل ودون تحقيق أرباح تذكر، وكانت النتيجة ـ للأسف الشديد ـ غياب الرقابة والمساءلة والنزاهة حتى توارثت الإدارة الحكومية كل أمراض الفساد الإداري والمالي!
أي أن أسبورن أطلق العنان للخدمات الحكومية وجعلها في حالة تنافس مع الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص، لأنه يرى أن الحكومة يجب أن تربح مثلها مثل القطاع الخاص، ويجب أن تقدم الخدمة من خلال التكلفة، ويجب أن ترتقي الخدمة الحكومية إلى أعلى المستويات ويجب أن نطبق موازين الجودة العالية على الخدمات الحكومية طالما أن الحكومات تدفع أعلى التكاليف.
وإزاء هذه الرؤية الثاقبة، فإن أسبورن يتطلع إلى حكومة تخصص خدماتها، وحكومة مساندة للمجتمع، حكومة تقوم على آليات المناقشة والحوار، حكومة ذات رسالة، حكومة تدار بالنتائج، حكومة يسيرها عملاؤها، حكومة إدارة أعمال، حكومة ذات نظرة مستقبلية، حكومة لامركزية، حكومة مشاركة، حكومة مسيرة بعوامل السوق والمنافسة .
ولذلك فإن مفهوم إعادة اختراع الحكومة ينطلق من الفكرة التي تقول إنه بالإمكان تحويل الجهاز الحكومي من جهاز إنفاق إلى جهاز إيراد، ويمكننا أيضاً تحويل الجهاز الحكومي من جهاز تكلفة إلى جهاز يحقق الأرباح، كما ينطلق مفهوم إعادة اختراع الحكومة من المقولة التي تقول إن الإدارة الحكومية مثل القطاع الخاص قادرة على التكيف مع روح العصر، وإعادة اختراع نفسها من حين إلى آخر، وإن العاملين في الحكومة ليسوا هم أساس المشكلة المتمثلة في تراجع الإنتاج والخدمات، ولكن النظام الإداري هو السبب الرئيس، كما أن المشكلات التي تواجهها الإدارة في العصر الحديث ليست بسبب الإدارة الليبرالية أو الإدارة المحافظة، وإنما بسبب افتقاد تلك الإدارة الفعالية والكفاءة.
ولقد شدد أسبورن على أن الإدارة الحكومية مثل إدارة القطاع الخاص لابد أن تكون قادرة على التكيف مع روح العصر، وأن تكون أكثر انفتاحا وكفاءة، وأن تتصف بروح المسؤولية والقدرة على النمو والتغيير والتطور والإنتاج والمنافسة العالمية وإعادة تجديد نفسها من وقت إلى آخر.
ورغم أن المحاور والمتغيرات التي يطرحها أسبورن يبدو أنها تدعو إلى تضييق دور وحجم القطاع الحكومي مقابل دور أكبر للقطاع الخاص، فإنه من الخطأ الاعتقاد بأن الدور الحكومي أصبح هامشياً في حياة الناس، لأن هناك الكثير من الأنشطة الاستراتيجية المهمة في حياة المجتمع لا تؤدى إلا من خلال الحكومة مثل الدفاع والأمن والرقابة والحماية.
وفي النهاية يمكن تلخيص مشروع أسبورن في الإصلاح الإداري أنه أعطى للحكومة دور إدارة الدفة (الرقابة) مقابل إعطاء وظيفة التجديف للقطاع الخاص.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي