رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الأزمة المالية في مواجهة الرغبة في الحياة .. من ينتصر؟

بثت وسائل الإعلام صورا لعدد من العائلات الأمريكية وقد اتخذت الخيام مساكن لها بعد أن فشلت في تسديد قروض المنازل المستحقة عليها في صورة بشعة جدا للرأسمالية وحال الاقتصاد الأمريكي. ومع هذه الصور يبدو المستقبل قاتما جدا والأمل يتضاءل في خروج العالم من هذه الأزمة قريبا. الغريب في أمر هذه الأزمة المالية أن جزءا بسيطا منها كان بسبب توقف البعض (البعض) عن سداد القروض العقارية والجزء الأعظم كان بسبب حالة الخوف التي أصابت السوق الائتمانية لذلك تبدو صورة فقدان المنازل صورة مبالغا فيها نوعا ما ليس من ناحية عدم وجود من فقد منزله لكن من جانب عددهم. من يراجع صور أحداث الكساد الكبير عام 1929م والصور المتوافرة عن تلك الأيام يشعر أن الأمر مختلف، وأننا لم نصل بعد إلى تلك المرحلة الخطيرة. هناك إنذارات بمخاطر جسيمة لكن الأمر لم يزل تحت السيطرة ولم تزل الدول قادرة على تجنب ويلات الهزات الاقتصادية المرعبة. لا نعرف بدقة ما تخبئه الأيام لكن هناك رعب غير مبرر وخاصة في الدول الخليجية.
نعم تعرضت الصناديق الاستثمارية والمحافظ بتنوعها إلى مخاطر جسمية وخسائر فادحة بسبب الأزمة – وقبلها - لكن الاقتصاد الخليجي اقتصاد ريعي في المقام الأول وهو بسيط في آلياته وليس بالتعقيدات التي نسمعها في وسائل الإعلام. قضايا الفائدة لم تزل قضايا ثانوية في حركة الاقتصاد ولا يمكن رسم السياسة الاقتصادية استنادا إلى اتجاهات الفائدة. في اقتصادات دول الخليج من الصعب الحديث عن كساد وتراجع حاد في الطلب بل لم تزل الدول الخليجية سوقا عالمية مربحة وسلة مشتريات فاعلة. فمعظم المواطنين الخليجيين موظفين لدى الحكومات فلا يوجد قلق كبير من مشكلات إفلاس الشركات أو اتجاهات بعضها إلى تقليص الإنفاق بتخفيض العمالة على الطلب الكلي وستظل القوة الرئيسة للشراء والضامنة لبقاء المؤسسات الخاصة في يد موظفي الحكومة وفي ظل تماسك أسعار النفط حتى الآن عند مستويات سعرية تقترب أو تزيد على نقطة تعادلها، فإن الأمر عن سوء الأحوال الجوية الاقتصادية في دول الخليج مبالغ فيه، فلا يزال الطلب فعالا بدرجة تغري رجال الأعمال بالمحافظة على الأسعار مرتفعة على الرغم من انخفاضها عالميا وبرغم الحملات الشعبية ذات الصدى. من هنا أعتقد أن تراجع الأسواق المالية واتجاهات البنوك إلى التحفظ في الإقراض بهذا الشكل ليس لها ما يبررها بل يضيع على الاقتصاد فرصا حقيقية سواء داخلية أو خارجية.
في ظل هذه الأوضاع وتحفظ رجال الأعمال الخليجيين والبنوك فإن مقارنة بسيطة بحال اقتصاد غزة ستكون مفيدة. اقتصاد غزة يشعرك عزيزي القارئ أن الرغبة في الحياة قادرة على جعل الاقتصاد يتجاوز الأزمة. وإذا كنت قد أشرت في مطلع المقال إلى تراجع القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي وعدم تأثرها بالنسبة للمواطن الخليجي فإن الطلب الفاعل يشجع على الموت في غزة. هناك لا مكان لأزمة مالية عالمية وأعتقد أنها لم تجد طريقا كي تدخل منه إلى اقتصاد غزة لكن ليس بسبب الحصار بل لأن الطلب فعال جدا ليقود شبابا في زهرة العمر لتعريض أرواحهم لمخاطر هائلة جدا من أجل جلب مواد غذائية واستهلاكية إلى القطاع. إن غزة ترسم اقتصادا خاصا بها وترفع راية أن الرغبة في الحياة لا تعرف الأزمات الاقتصادية وأن الحاجة محرك طبيعي للطلب. فبرغم الحصار الظالم وبرغم الحرب التي أكلت الأخضر واليابس عادت التجارة لتزدهر مرة أخرى في القطاع. وإذا كنا نجد عذرا لتراجع سوق الأسهم وضعف الثقة بسبب ضعف التمويل في الاقتصاد الخليجي فلماذا لم يجد الشارع الغزاوي تلك الهزيمة وممرات التجارة لديه إما مغلفة (المعابر) أو تحت القصف الجوي من جانب والغاز السام من جانب آخر (الأنفاق). في تحقيق خاص عن أنفاق غزة أوردت جريدة الحياة ما يسمى بـ (تجارة الأنفاق) لأنها ظهرت كبديل للمعابر الرسمية حتى بلغت أكثر من 600 نفق. سأقف هنا قليلا فالاقتصاد المتحفز والطلب الفاعل يجد دوما بدائله حتى ولو كانت تحت الأنقاض. بالطبع لا يمكن مقارنة اقتصاد استراتيجي واستثمارات بمشاريع ضخمة باقتصاد أولي. لكن الذي يقف في وجه الاقتصاديين واحد وهو الخوف فلماذا استطاع اقتصاد بسيط التغلب على مخاوفه ويقرر الازدهار بينما يقف اقتصاد أكثر نضجا وأكثر إمكانات في دائرة الخوف والترقب دون خطوات حقيقية للتغلب على الأزمة، وخاصة أن مصادر الخوف وهمية. وإذا قارنا الخوف في تجارة غزة حيث يعمل في حفر النفق الواحد العشرات في اتجاه الأراضي المصرية لمسافات تصل إلى 500 متر في بيئة خطرة جدا سواء باحتمالات انهيار النفق بالقصف المباشر من قبل الطائرات أم الموت تسمماً بغاز سام يتم نشره في فتحات الأنفاق (بحسب رواية الحياة). وإذا سألنا سؤال بسيط جدا هل كان الشاب الغزاوي سيدخل كل هذه المغامرة لو لم يكن هناك طلب واقتصاد حقيقي في غزة قادر على تعويضه عن تلك المخاطر الجسيمة ولو جزئيا. أقول إذا كان هذا هو حال الاقتصاد في غزة فكيف نفسر ما يحدث في اقتصاد الخليج و ما يروج له الإعلام من أزمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي