"الحمائية التجارية" تتصدر عناوين القمم.. والدول تنكفئ على نفسها

"الحمائية التجارية" تتصدر عناوين القمم.. والدول تنكفئ على نفسها

منذ نهاية الصيف الماضي، لا يكاد يمر أسبوع دون انعقاد قمة أو مؤتمر أو لقاءات رسمية على مستويات مختلفة عنوانها الرئيسي الأزمة الاقتصادية العالمية. من قمة مجموع الدول السبع الصناعية الكبرى إلى قمة مجموعة العشرين، التي تضم السبع الكبار والدول الصاعدة، مرورا باجتماعات الاتحاد الأوروبي وقمم إقليمية آسيوية وغيرها.
والبند الثابت في بيانات ختام كل تلك القمم والاجتماعات هو التعهد بالحفاظ على حرية التجارة الدولية، بعد التحذير من خطر إجراءات الحماية. لكن تلك التحذيرات والتعهدات لا تعني أن إجراءات الحماية في تصاعد بالفعل ما يهدد بتعميق الأزمة الاقتصادية العالمية مع تراجع التجارة الدولية والحد من حرية انتقال رؤوس الأموال.
فعقب انتهاء قمة مجموعة العشرين في تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، التي تعهدت بالحفاظ على أصول حرية التجارة الدولية، قررت روسيا زيادة الرسوم الجمركية على السيارات وقررت الهند زيادة الرسوم الجمركية على واردات الصلب.
وتشير أحدث البيانات والأرقام الصادرة حول العالم إلى تراجع شديد في الصادرات على مستوى العالم، وإن اختلفت النسب من منطقة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى. وتوقعت منظمة التجارة العالمية قبل يومين أن تتراجع التجارة العالمية هذا العام بنسبة 9 في المائة لتسجل أدنى مستوى منذ الحرب العالمية الثانية.
وفي البداية فسر اقتصاديون تراجع الصادرات إلى قيام الدول المتقدمة بالتخلص من مخزونات السلع، لكن أحدث البيانات تشير إلى أن معدلات المخزونات السلعية في الدول المتقدمة لا تزال عالية ونسبتها إلى انخفاض الأسعار غير مشجعة.
ويعني ذلك أن الطريق أمام مزيد من تراجع الصادرات لا يزال مفتوحا، وقد بدأ بالفعل ينعكس على انخفاض الناتج الصناعي في معظم الاقتصادات المتقدمة والصاعدة.
وفي الأشهر الأخيرة عانت الدول الآسيوية، المورد الرئيسي للسلع الاستهلاكية للدول المتقدمة، تراجعا حادا في الصادرات بسبب تراجع الطلب الخارجي.
وعلى سبيل المثال تراجعت صادرات كوريا الجنوبية بمعدل سنوي بنسبة 32.7 في المائة في كانون الثاني (يناير). وفي الشهر الأخير من 2008 تراجعت صادرات تايوان بنسبة سنوية 41.9 في المائة بينما تراجعت صادرات اليابان بنسبة سنوية 19.6 في المائة.
وتراجعت صادرات الصين 1.5 في المائة، وهي نسبة قد تبدو بسيطة لكن أهميتها تبرز من مقارنتها بنمو صادرات الصين بنسبة 20 في المائة حتى تشرين الأول (أكتوبر).
وما حدث للاقتصادات الآسيوية تكرر في أنحاء أخرى من العالم، ففي أمريكا اللاتينية تراجعت صادرات البرازيل في كانون الثاني (يناير) بنسبة سنوية 26.3 في المائة وتراجعت صادرات الأرجنتين بمعدل سنوي بنسبة 24 في المائة في كانون الأول (ديسمبر).
في أوروبا تراجعت صادرات روسيا بنسبة سنوية 16.7 في المائة في تشرين الثاني (نوفمبر) فيما تراجعت صادرات ألمانيا بنسبة 11.8 في المائة. ومما يزيد من الآثار السلبية لتراجع الصادرات بحدة، ويجعل خطر إجراءات الحماية التجارية كبيرا على الاقتصاد العالمي المتدهور أن التجارة العالمية في تراجع بالفعل بالتزامن مع انفجار الأزمة المالية العالمية ودخول الاقتصاد العالمي في ركود.
فحسب آخر تقرير لصندوق النقد الدولي تباطأ النمو في التجارة الدولية إلى 4.3 في المائة في أوائل عام 2008 ، وذلك أقل من نسبة 6.4 في المائة المتحققة خلال عام 2007، نتيجة الانخفاض الحاد في واردات الولايات المتحدة.
الصين كبش فداء للجوء الدول الصناعية الكبرى إلى إجراءات للحماية
تقدر واردات الولايات المتحدة بنحو 15 في المائة من حجم التجارة الدولية، وسجلت تلك الواردات انخفاضا ربع سنوي بدءا من الربع الرابع من عام 2007 ، وانخفضت تلك الواردات بحدة بمقدار 7 في المائة خلال الربع الثاني من عام 2008 .
وتوقع التقرير مزيدا من التراجع في التجارة الدولية العام الجاري، إلا أن تقديراته للتراجع تبقى متحفظة أمام توقعات مؤسسات أخرى أكثر تشاؤما، وبنسب هبوط تتجاوز 2 في المائة.
ويشير الانخفاض الحاد في الصادرات وتراجع معدلات نمو التجارة العالمية إلى أن الأزمة الاقتصادية العالمية لم تصل إلى الأسوأ بعد. ويعزز ذلك فرص زيادة إجراءات الحماية من جانب الدول مما يزيد الوضع سوءاً. ولا تقتصر إجراءات الحماية على تجارة السلع والخدمات، التي تفاقم مشكلة تباطؤ نمو التجارة العالمية وتراجع عائدات الصادرات لدى الدول المتقدمة والصاعدة فقد بدأت تصدر تحذيرات من القمم والمؤتمرات بشأن الحماية المالية، أي التضييق على الانسياب الحر لرؤوس الأموال عبر حدود الدول والقارات.
وحسب معهد التمويل الدولي فإن التوقعات لهذا العام متشائمة بالنسبة لانسياب الأموال عبر الحدود، ويتوقع المعهد تراجع صافي رؤوس الأموال الخاصة التي تنتقل إلى الأسواق الناشئة بنسبة 65 في المائة مقابل حجم انسياب رؤوس الأموال العام الماضي.
وبالمقارنة بحجم تلك الأموال العام الماضي تعني تلك النسبة انخفاض انسياب رؤوس الأموال بنحو 300 مليار دولار.
لكن خطر الحماية المالية ليس بقدر خطر الحماية التجارية، خاصة وأن سوق الائتمان لا تزال شبه مجمدة ومن ثم فتباطؤ حركة رؤوس الأموال له أسبابه الموضوعية بعيدا عن أي إجراءات حمائية.
كما أن الدول المتقدمة والصاعدة والنامية على السواء، تتحسب لأية بادرة تراجع عن حرية انتقال رؤوس الأموال التي كانت المولد الرئيسي للثروة في العقدين الأخيرين.
إنما الخطر الحقيقي هو أن إجراءات الإنقاذ الحكومية للمؤسسات والشركات تعني بقدر أو بآخر شكلا من أشكال الحماية المالية.
كما أن إنفاق أموال دافعي الضرائب يتطلب قدرا من "المحافظية" السياسية بما يجعل التمويل متاحا فقط للمؤسسات الوطنية ويجعل هناك قيودا على تمويل خارج القطر.
وإذا كانت الحكومة الأمريكية قد توارت بشرط "اشتر ما هو أمريكي فقط" التي تضمنتها خطة الإنعاش الاقتصادي والإنقاذ بأموال دافعي الضرائب، فان ذلك لا يعني أن هذا ما يحدث عمليا في أمريكا وبريطانيا وغيرها.
والى جانب إجراءات الحماية المعتادة، من رفع الرسوم الجمركية ولو في إطار منظمة التجارة الدولية، هناك طرق عديدة للالتفاف على قواعد المنظمة في فرض مزيد من إجراءات الحماية التجارية منها فرض إجراءات لمنع الإغراق أو زيادة الرسوم على السلع التي تعتبر مخفضة السعر عمدا أو حتى الحد من الاستيراد على خلفية أسباب صحية أو بيئية ولو مفتعلة فروسيا تحظر في السنوات الأخيرة واردات الخمور من جورجيا ومولدافيا وواردات اللحوم البولندية لما تقول إنها أسباب صحية. كذلك حظرت الهند مطلع العام واردات لعب الأطفال الصينية، التي تمثل 60 في المائة من سوق لعب الأطفال في الهند، أيضا لأسباب تقول إنها صحية. وسوف تزداد تلك الأشكال من إجراءات الحماية التجارية مع تعمق الركود الاقتصادي وتؤدي بدورها إلى مزيد من الكساد.
ولن يعدم الشركاء التجاريون الكبار في العالم إيجاد المبررات لاتخاذ إجراءات حماية تجارية.
وتعد الصين كبش فداء نموذجيا للجوء الدول الصناعية الكبرى إلى إجراءات للحماية الاقتصادية، لذا ستتعرض الصين لمزيد من الضغوط من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي في سياق إلقاء اللائمة في سياسات قد تضر أكثر بالاقتصاد العالمي.
صحيح أن الصين تعاني أيضا تراجع صادراتها للخارج وتباطؤا مطردا في معدل النمو الاقتصادي، إلا أن شركاءها التجاريين يرونها الأكثر استفادة، أو قل الأقل تضررا، من الأزمة الاقتصادية العالمية.
ويجد هؤلاء في بعض الأرقام ما يمكن أن يعزز حججهم وحملاتهم، فقد حققت الصين فائضا تجاريا غير مسبوق مع الولايات المتحدة بلغ 223 مليار دولار في الأشهر العشرة الأولى من عام 2008 ـ حسب بيانات الحكومة الأمريكية. كما أن العملة الصينية (رينمينبي) تبقى سببا آخر للضغوط خاصة الأمريكية، إذ إن ربطها بالدولار يعد ميزة تنافسية للصادرات الصينية. ويضغط الأمريكيون والأوروبيون على بكين لكي تسمح لعملتها بالارتفاع الحر في قيمتها، لكن الصين تستجيب ببطء وفي إطار سياستها الاقتصادية المتأنية.
لكن تلك الضغوط ستزداد الآن، وستتخذ ذريعة لمزيد من إجراءات الحماية التجارية من جانب الدول المتقدمة وغيرها.

المصدر: بي. بي. سي

الأكثر قراءة