لبنان يرقب خطة حكومية تتوسّع في الإنفاق وتؤمّن السيولة للحد من الانكماش

لبنان يرقب خطة حكومية تتوسّع في الإنفاق وتؤمّن السيولة للحد من الانكماش

يبدي أركان القطاع الاقتصادي الخاص في لبنان خشية من عودة التوتر إلى الساحة السياسية مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، وأن تطغى الاهتمامات السياسية والأمنية على توجه الحكومة لتطبيق خطتها الخاصة لمواجهة تداعيات الركود العالمي على الاقتصاد اللبناني.
وقال لـ "الاقتصادية" الخبير الاقتصادي الدكتور توفيق كسبار إن التجاذب السياسي والانتخابي والهاجس الأمني، تلقي ظلالاً خطيرة على ورقة العمل الحكومية التي أعدها رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة لاستباق التحديات المرتقبة عن الأزمة المالية العالمية على الوضع العام في لبنان.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن التحديات السياسية والاقتصادية التي يواجهها لبنان تبرر انخفاض درجات تصنيفه السيادي، كما أنها تهدد بالإطاحة بنتائج الإنجازات المالية خلال الفترة الماضية. وبيّن أن تنامي حجم الدين العام هو المعضلة الأساسية أمام هذه الخطة الاستباقية، مشدداً على ضرورة الاستنفار المالي والمصرفي من جهة وتشريع القوانين الإصلاحية والمالية المجمدة لكيلا تتحقق التوقعات الدولية بدخول الاقتصاد اللبناني مرحلة ركود بسبب تراجع نسبة النمو لأقل من 4 في المائة خلال عام 2009.
ولاحظ الخبير كسبار أن الخطة الحكومية التي تتضمن أفكاراً لحماية الاقتصاد الحقيقي، تحمل رسالة مهمة وهي عدم الاكتفاء بالرهان على القطاع المالي وحده وتجاهل غياب السوق المالية القوية، لكنه أوضح أن تطبيقها ما زال متعثراً ودونه عقب، أهمها الخلاف السياسي الحاد بين القوى السياسية في الموالاة والمعارضة والانقسام داخل الحكومة عشية انطلاق الحملات الانتخابية. ولفت إلى أن الخطوات الاستباقية التي قامت بها السلطات والسياسات المالية والنقدية المصرفية الحكيمة هي التي نأت بلبنان ومصارفه عن التأثر بنتائج الأزمة العالمية. وأكد أن هذا الوضع يصطدم بواقع الدين العام الذي تحرص الحكومة على فصله عن الدين الحكومي الوارد في مشروع موازنة لعام 2009.
وحدد الدين الحكومي الإجمالي المصرح به رسمياً ويتألف من سندات الخزانة بالليرة والعملات الأجنبية بنحو 47.2 مليار دولار، فيما تبلغ قيمة الدين السوقي الصافي بعد تنزيل قيمة الديون والقروض التي اكتتب بها مصرف لبنان والمؤسسات العامة نحو 29 مليارا، وبالتالي فإن دين الدولة الإجمالي قد يصل إلى أكثر من 60 مليار, دولار وهو يعكس الوضع المالي الحقيقي للدولة.
أما بالنسبة لطريقة توزيع هذا الدين فقد أوضح الخبير الاقتصادي أن 56 في المائة تموله المصارف الخاصة في لبنان, و20 في المائة يموله مصرف لبنان و7 في المائة تموله مؤسسات عامة أي أن التمويل داخلي بنسبة 83 في المائة مما سيترك تداعيات على المالية العامة والاقتصاد الوطني، أي أن حصول أي أزمة في الدين ستنعكس على المصارف.
واعتبر أن المعالجة الحقيقية تكون من خلال اتباع سياسة مالية توسعية تؤدي إلى توفير سيولة كافية في الاقتصاد للحد من الانكماش المتوقع وهو ما نجحت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في تحقيقه عبر قراراتها الأخيرة وأبرزها زيادة الأجور في القطاع العام.
وأكد كسبار أن الخطة الحكومية تعترف بمخاطر الأزمة المالية المقبلة، لكنه استدرك أن تغيير اتجاه الاستثمار العام المقترح لا يكفي وحده ما لم يترافق مع إصلاح قنوات التمويل لأن القروض الميسرة تزيد من تكلفة الدين وتقيد الأولويات الوطنية بينما يمكن التركيز أكثر على الموارد غير المفترضة من خلال خفض أسعار الفائدة تماشياً مع أوضاع السوق العالمية، فالفجوة بين معدلي الفائدة الداخلي والخارجي وصلت إلى نحو سبع نقاط أي ما يفوق ضعف الهامش التقليدي الذي لم يتعد في السنوات الاخيرة ثلاث نقاط تقريباً.
أما سياسة جذب الودائع بأي ثمن فإنها تحول المصارف إلى حاوية ضخمة للأموال التي يصعب توظيفها ما يدفعها إلى إعادة تدوير الودائع إلى الخارج في ظل مخاطر خارجية مرتفعة, وإما زيادة التسليف الداخلي, وهو خيار محفوف بالمخاطر، أو الاكتفاء بتكثيف الاكتتاب بسندات الخزانة كالمجال الافضل للتوظيف المصرفي.
وخلص الدكتور كسبار إلى أن ورقة الحكومة تطرح ثباتاً في السياسة المالية والمصرفية وثانياً تشريع الإصلاحات ودعم الفوائد ووضع حوافز للاستثمار والاستفادة من السيولة المتوافرة في السوق والأهم من كل ذلك العمل على منع رفع نسبة العجز مع إعادة تمويل استحقاقات الدين البالغة 14 مليار دولار من سندات الخزانة وديون أخرى.
وبالتالي فإن الخطة الاستباقية التي تنتظر التوافق السياسي لن تؤمن أكثر من الاستمرارية وربما المراوحة للواقع الحالي بانتظار إنجاز الانتخابات النيابية في حزيران (يونيو) المقبل وتشكيل حكومة جديدة.

الأكثر قراءة