تصدير الدعم
انتهجت المملكة سياسة دعم واسعة في إطار خططها التنموية وسياساتها الاقتصادية. وتستخدم المملكة الدعم لرفع رفاهية المستهلك وتعزيز قدرة المنتج على المنافسة والتطوير وجني الأرباح, ويوجد كم كبير من سياسات الدعم التي تعم الاقتصاد ككل, إضافة إلى وجود بعض السياسات أو الممارسات التي تستهدف صناعات أو قطاعات محددة. وتتمتع صناعة الأسمنت مثل باقي الصناعات بسياسات الدعم العامة التي أهمها دعم مدخلات الصناعة الوطنية بمنتجات نفط وطاقة رخيصة. فتثبيت أسعار الطاقة عند مستويات متدنية لا تغطي تكاليف الإنتاج والتكرير والتوزيع يدعم كل القطاعات الاقتصادية ويخفض تكاليف محتويات الطاقة إلى نسب متدنية من إجمالي تكاليف السلع والخدمات. ويتعاظم تأثير دعم أسعار الطاقة مع شدة الاعتماد عليها في العمليات الإنتاجية. وتعتمد صناعة الأسمنت بدرجة كبيرة على الطاقة في عملياتها الإنتاجية، ولهذا فإن هناك دعماً كبيراً لهذه الصناعة يأتي بصورة غير مباشرة من خلال أسعار الطاقة المتدنية. وتتمتع صناعة الأسمنت بالمزايا التي تتمتع بها الصناعات الوطنية الأخرى نفسها والتي منها القروض الميسرة وسهولة استقدام العمالة الأجنبية الرخيصة. كما تستفيد صناعة الأسمنت من انخفاض تكاليف رخص استغلال المواد الأولية. ويتضح مما سبق تحمل المجتمع ككل لجزءٍ كبير من تكاليف إنتاج الأسمنت، وهذا هو السر الحقيقي لانخفاض تكاليف إنتاج الأسمنت مقارنةً مع الدول المجاورة.
وشهدت أسواق المملكة خلال السنوات الخمس السابقة ارتفاعا قوياً في الطلب على الأسمنت في المملكة والدول المجاورة, ما دفع بأسعاره إلى الأعلى. وقد استفادت مصانع الأسمنت من تنامي الطلب المحلي والخارجي على منتجاتها وارتفعت أرباحها بقوة خلال السنوات الماضية, ما شجع على التوسع في المصانع الحالية وإنشاء شركات جديدة في هذا القطاع. ومع أن مصانع الأسمنت كانت تبيع منتجاتها عند مستويات تقل عن أسعار السوق إلا أن الوسطاء نجحواً في الاستحواذ على جزء كبير من الأرباح المجنية من ارتفاع أسعار الأسمنت. ويدل رفع الوسطاء لأسعار الأسمنت على انخفاض كفاءة قنوات السوق المحلية في توزيع الأسمنت. وقد وجدت وزارة التجارة نفسها تحت ضغوط قوية من المستهلكين لاتخاذ سياسات تحد من ارتفاع أسعار الأسمنت وتزيد من الإمدادات المحلية من هذه السلعة. وقاد الخوف من وجود أزمة إمدادات الأسمنت إلى منع الوزارة لتصديره. وأدى تزامن المنع مع تراجع الطلب المحلي في وقت لاحق إلى تراجع أسعار الأسمنت وانخفاض مستويات استغلال الطاقة الإنتاجية لمصانع الأسمنت. ونتيجةً لذلك ارتفعت شكاوى منتجي الأسمنت من تعرض مصالحهم لأضرار بالغة وانخفضت أرباحهم. فهل قرار منع تصدير الأسمنت قرار عادل أو صحيح من الناحية الاقتصادية أو من ناحية تعاظم المنافع الاجتماعية؟
ومبدئياً, فإن قرار منع تصدير أي سلعة أو خدمة لا يعد سليماً من الناحية الاقتصادية ولا عادلاً, حيث إن منع التصدير يحرم المنتج من تعظيم أرباحه وبيع منتجه عند أعلى سعر ممكن, ما يسمح له بالتوسع ورفع الإنتاج وتوظيف المزيد من العمالة ورأس المال. وينبغي قدر الإمكان تجنب فرض منع تام على صادرات أي سلعة أو خدمة إلا في حالات الضرورة القصوى ولفترة محدودة. ولكن عند تفحص وضع صناعة الأسمنت في المملكة التي تتمتع بدعم قوي يحد من تكاليف إنتاجها ومقدم من قبل المجتمع ممثلاً في الحكومة، فإن من حق المجتمع استرداد هذا الدعم في حالة تصدير السلعة. فالهدف الأولى من الدعم بصورة عامة هو رفع رفاهية السكان والمستهلكين منهم بصورة خاصة. ويجد المجتمع نفسه غير مجبر على دعم رفاهية مستهلكي السلع والخدمات خارج حدوده، حيث يؤدي مثل ذلك الدعم إلى استنزاف الموارد المحدودة التي لدى المجتمع. ومما سبق يمكن الاستنتاج أن منع تصدير الأسمنت غير عادل ولكن يمكن للجهات المختصة فرض ضريبة تصدير على هذه السلعة تسترد من خلالها قيمة الدعم المقدم. وستعمل مثل هذه الضريبة على قصر الدعم للمستهلك المحلي وضمان توافر إمدادات كافية محلية وبأسعار معقولة. وستحد الضريبة أيضاً من استغلال الوسطاء لفروقات الأسعار بين الأسواق المحلية والخارجية.
ومن الحقائق المعروفة عن مصانع الأسمنت في المملكة أن معظمها قديم وأنها قد استردت معظم رؤوس أموالها في الأعوام السابقة. ولا تمثل تكاليف العمالة سوى مستوى منخفض من إجمالي إيراداتها. ومعظم التكاليف الأخرى المتمثلة أساساً في الطاقة والمواد الأولية تحصل عليها المصانع بأسعار متدنية، ولهذا فإن بإمكانها تحقيق مستويات أرباح جيدة عند أسعار السوق الحالية. ولا يقتصر اتجاه مصانع الأسمنت إلى التوسع في التصدير بالأسعار الحالية على كونه استنزافا للموارد المحلية, بل يعد تصديراً للدعم المحلي إلى الخارج. ومن المعلوم أن دعم الصادرات مخالف لأنظمة التجارة العالمية, ويسمح للمصانع في الدول المستوردة برفع مطالب فرض أو اتخاذ إجراءات مضادة للإغراق أو رفع دعاوى الحفاظ على سلامة الصناعات المنافسة في الدول المستوردة.