رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


الصناعة النفطية وتحديات المرحلة الراهنة (الجزء الثالث)

في الجزءين الأول والثاني تم التطرق بصورة تفصيلية إلى التحديات الرئيسية التالية التي تجابه الصناعة النفطية في الوقت الحاضر: دورة الازدهار والكساد في الإمدادات والصناعة النفطية Boom Bust Cycle، مستقبل الطلب العالمي على النفط، إنتاج وتطوير حقول نفطية جديدة. في هذه المقالة سيتم التعرف إلى بقية التحديات الرئيسة التي تجابه الصناعة النفطية في الوقت الراهن وإلى أهم تداعياتها على مستقبل هذه الصناعة الحيوية في ديمومة عجلة التطور العالمي والنمو الاقتصادي، وهي سياسات تغير المناخ والطاقات الجديدة والمتجددة والنظيفة، وطبيعة ونوعية الوقود المستقبلي المستخدم في مجال النقل.
سياسات تغير المناخ والطاقات الجديدة والمتجددة والنظيفة, السؤال المهم هنا هو: كيف يمكن لسياسات تغير المناخ، خصوصا المتطرفة منها، أن تؤثر سلبا في الاستثمار في الصناعة النفطية؟ على الرغم من الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية التي أثرت سلبا في الإمدادات النفطية كما أسلفنا في حلقات سابقة. تعد سياسات تغير المناخ في الوقت الحاضر قضية جوهرية مهمة بالنسبة إلى البلدان المصدرة للنفط والشركات النفطية العالمية على حد سواء, حيث إن للسياسات المتطرفة في هذا المجال تأثيرات سلبية كبيرة في الاستثمار في مجال تطوير حقول نفطية جديدة. ففي هذا الجانب ينظر بعض البلدان، خصوصا الدول المتقدمة صناعيا، إلى سياسات الطاقة النظيفة كوسيلة لتحفيز الاقتصاد في بلدانها، خصوصا اليوم, حيث إن العالم يستعد لمفاوضات دولية حول تغير المناخ لتحل محل بروتوكول كيوتو Kyoto Protocol. إن التركيز الجديد للإدارة الأمريكية الجديدة على سياسات تغير المناخ والطاقات الجديدة والمتجددة والنظيفة، والأهداف الطموحة التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي في هذا المجال، يعني أن الصناعة النفطية ستشهد زيادة في التدقيق على انبعاثات الغازات الدفيئة, بالتالي ستؤثر سلبا في اقتصاديات المشاريع الجديدة، التي هي في الأصل حرجة.

التشريعات الخاصة في تنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة، تثير عددا من المسائل والتحفظات التي تؤثر سلبا في قرارات الاستثمار في المشاريع النفطية الجديدة، سواء كانت صناعات استخراجية upstream أو تحويلية downstream. السؤال المهم هنا هو: على أي جزء value chain من الصناعة النفطية سيتم وضع تشريعات خاصة في تنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة؟ وهل معايير الوقود منخفض الكربون ستترسخ في الولايات المتحدة والبلدان الأخرى؟ وكيف يمكن للاختلافات في السياسات المناخية في مختلف أنحاء العالم، من دولة إلى أخرى، أن تغير أنماط التجارة في النفط الخام والمنتجات النفطية؟ كما أن سياسات تغير المناخ ستكثف أيضا من الجهود لزيادة الكفاءة في استخدام الطاقة في كل من أنشطة الصناعات الاستخراجية upstream والتحويلية downstream، وخصوصا في المناطق التي يكون فيها استخدام الطاقة غير كفؤة. إن التحدي الذي يواجه الصناعة النفطية من تطبيق سياسات تغير المناخ والطاقات الجديدة والمتجددة والنظيفة صعب وشائك ويحتاج إلى كثير من الدراسة والتحليل، وعلى القيمين على الصناعة النفطية الاستعداد لذلك.
طبيعة ونوعية الوقود المستقبلي المستخدم في مجال النقل: السؤال المهم في هذا التحدي هو: كيف سيكون عليه التطور في مستقبل أنواع الوقود المستخدم في مجال النقل اليوم؟ إن التقلب في أسعار النفط العالمية وبالتالي التقلب في أسعار المنتجات النفطية، يضاف إلى ذلك سياسات تغير المناخ واستمرار المخاوف العالمية بشأن أمن الإمدادات، يمكن لهذه الأسباب مجتمعة في نهاية المطاف أن تؤثر سلبا في استخدام النفط في قطاع النقل، هذا القطاع الذي يعد اليوم المستهلك الرئيسي للنفط, والذي يعول عليه في المستقبل في زيادة الطلب على النفط.
لقد احتل الديزل مقعد الصدارة في السنوات الأخيرة كوقود في مجال النقل، حيث كان أكثر جاذبية بكثير من البنزين, خصوصا في أوروبا. ومع ذلك، يمكن للبنزين أن يستعيد عافيته في الأسواق كوقود للنقل، في حال تقدم أسعار الديزل عليه، ما يجعل من الديزل خيارا غير جذاب نسبيا. وهل يمكن نتيجة زيادة توافر المواد الخام السائلة الخفيفة مثل المكثفات وسوائل الغاز الطبيعي Condensate and Natural Gas Liquids، حتى الإيثانول (الوقود الحيوي) أن يسرع هذا التحول في أفضليات المستهلكين نحو دعم البنزين؟ هذا ليس أكيدا، ولكنها تمثل واحدة من النتائج المحتملة التي تواجهها السوق عموما مع وجود فائض من البنزين وشح في المنتجات المكررة, خصوصا الديزل. كل هذا ليس ذات أهمية كبيرة للصناعة النفطية الاستخراجية، حيث إن البنزين والديزل كليهما من المشتقات النفطية، لكن الصناعة التحويلية ستحتاج إلى الاحتياط لهذا التغير.

الخيارات الجديدة للوقود في مجال النقل هي الأخرى تواجه تحديات فريدة خاصة بها. على سبيل المثال هي يمكن توفير كميات من الوقود الحيوي على نطاق واسع، يمكن أن تعوض عن جزء كبير من احتياج السوق وبالتالي تقلل الاعتماد على النفط والبنزين ووقود الديزل في الأسواق؟ إن الوقود الحيوي مثل وقود الديزل الحيوي والإيثانول الأحيائي مصنوعة من الكتلة الحيوية للمحاصيل التي يمكن أن تستخدم أيضا لإنتاج الأغذية. وهذا يمكن أن يكون له أثر كبير في الغذاء نتيجة مجموعة عوامل، بما في ذلك تزايد الطلب من البلدان النامية، وانخفاض العرض بسبب الأحوال الجوية غير المواتية، وحظر التصدير والمضاربات في السوق، والمساهمة في ارتفاع أسعار الأغذية, كذلك التوسع في إنتاج الوقود الحيوي يمكن أن يؤدي إلى التنافس في موارد المياه، وتوافر الأرض.
أما فيما يخص السيارات العاملة بالطاقة الكهربائية، إن الأمر سيتطلب تقدما كبيرا في تكنولوجيا البطاريات لتتناسب مع قوة وراحة السيارات التي يوفرها استخدام النفط (البنزين ووقود الديزل). ولكن حتى التقدم التكنولوجي قد لا يكون كافيا. حيث لا تزال هناك مسألة التكامل بين قطاعات النقل وتوليد الطاقة الكهربائية. وعلاوة على ذلك، يمكن للمستهلكين رفض اعتماد تكنولوجيات جديدة في مجال وقود النقل، خصوصا إذا كان ثمن هذه البدائل مرتفعا جدا مقارنة بالنفط. لكن السياسة والتشريعات الخاصة في تنظيم انبعاثات الغازات الدفيئة، ومنح تسهيلات وإعفاءات ضريبية للسيارات الكهربائية، وغيرها من الدعم لأنواع الوقود البديلة، قد يكون لها تأثيرات سلبية في مستقبل النفط في مجال النقل، وهي اليوم أكثر من أي وقت مضى.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي