سياسة أباطرة أمريكا في جمع الأموال وشرعنتها
"رفع راتب رجل يعني رفع الأسعار على رجل آخر"
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق هارولد ويلسون
لم ينافس رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي السابق (البنك المركزي) آلان جرينسبان في وقاحته، سوى اثنين. "المستثمر" الأمريكي المحتال برنارد مادوف، الذي سرق أكثر من 65 مليار دولار أمريكي من الأفراد والمؤسسات حول العالم على مدى عقدين من الزمن. والمدير التنفيذي السابق لمصرف "رويال بنك أوف سكوتلاند" فريد جودوين، الذي رفض التنازل عن راتبه التقاعدي مدى الحياة البالغ مليون دولار سنويا، رغم أن مصرفه مني بخسائر في عام 2008 بلغت أكثر من 34 مليار دولار أمريكي (هي الأكبر على الإطلاق في تاريخ المؤسسات المالية البريطانية)، يضاف إليها 400 مليار دولار هي عبارة عن ديون مشكوك في تحصيلها، بل لنقل "ديون معدومة".
الأول - أي جرينسبان - لم يجد غضاضة في خضم الأزمة الاقتصادية العالمية في القول: "إن هذه الأزمة لا تحدث سوى مرة كل قرن من الزمن"، رغم أنه المتسبب المباشر فيها!. والثاني - أي مادوف - امتلك كل الجرأة للقول: "كنت أنتظر أن يتحسن وضع الأسواق لتوفير الحماية للأموال التي جمعتها"، دون أن يتوقف عن جمع هذه الأموال في مرحلة الانتظار التي أعلنها!. والثالث - أي جودوين - لم يخجل في الرد على منتقديه بالقول: "إن راتبي التقاعدي تحدد بالاتفاق مع المصرف، وبموافقة وزير الدولة البريطاني للشؤون المالية اللورد ماينرز"، علما بأن هذا الأخير أنكر ذلك تماما، وقال: "إن مثل هذه المكافأة الضخمة لا يمكن تبريرها بعد أن حقق البنك خسائر هائلة". بل ذهب أبعد من ذلك حين قال: إنه تعرض للتضليل من جانب إدارة المصرف، التي أعطته الانطباع بأن الراتب التقاعدي لـ جودوين هو أمر ملزم قانونيا.
ألان جرينسبان ومادوف وجودوين .. وآخرون على شاكلتهم - وما أكثرهم - لا تطرح قضاياهم ومواقفهم بعدا أخلاقيا فقط. فالانهيار الأخلاقي ضربهم من جهة النتائج التي نجمت عما قاموا به، سواء من خلال وضع وتنفيذ سياسات اقتصادية خاطئة – عرفوا خطأها- ، أو عن طريق عمليات احتيال تاريخية واسعة، أو عبر الفشل في توفير الحماية المطلوبة للمؤسسات التي تربعوا على عرشها. لكن هؤلاء -وقضاياهم- قدموا أكبر وأعلى منبر للوقاحة، وعبروا سلوكيا – ببلاغة - عن صحة المثل الشعبي المصري الذي يقول : "اللي اختشوا ماتوا"، وأثبتوا أن الخجل مرفوع، بل ليس موجودا، وأن مشاعر الآخرين لا قيمة لها، وأن غضب المجتمع لا أكثر من تحصيل حاصل، وأن الذين يصنفون الوقاحة "كعامل مشين"، ينبغي أن يعيدوا النظر في تصنيفهم.
في زمن الازدهار والانهيار، يوصف هؤلاء بـ "القطط السمان". لماذا؟. لأنهم يخزنون أكبر كمية من الدهون، بالتهام "سعرات حرارية" غير محدودة. وإذا كان من حق القطط كحيوانات أليفة - لاسيما تلك التي تملكها الأسر الثرية والسخية – أن تسمن وتكتنز الدهون وتكتسب جمالا فوق جمال، فليس لـ "القطط البشرية" - لاسيما تلك المسؤولة عن مؤسسات وشركات عامة - أن "يزداد وزنها" من دون وجه حق، خصوصا عندما يكون العالم بأسره أمام محنة، وضعت هذه المؤسسات نفسها تحت جناحيها.
وقاحة جودوين قدمت أفضل مثال للمدير الذي تهمه مؤسسته فقط، عندما توفر له المكافآت، وتنقله من مجموعة "القطط الضامرة" إلى نادي "القطط السمان". وبعد ذلك لا شيء يستحق الاهتمام. فهو لم يهتم لقرار المصرف بالتخلص من 20 ألف من موظفيه في 35 بلدا، بسبب تقليص نشاطاته. متى؟. بعد أن وقع هذا المصرف في هوة الخسائر أثناء قيادته له!. ولم يهتم لقضية تحويل الديون المعدومة الهائلة في المصرف أيضا، إلى صندوق تضمنه الحكومة البريطانية، حرصا على عدم انهيار المؤسسة نهائيا. اهتم فقط بالمليون دولار الذي سيحصل عليه سنويا حتى الموت، وقاتل من أجله، رغم تهديد الحكومة بأنها تمتلك الحق في إلغاء عقده التقاعدي.
وسواء نجحت التحركات الحكومية للنيل من جودوين، أم لم تنجح. فمثل هذه القضايا، باتت مع الأزمة الاقتصادية جزءا من الهم الاقتصادي اليومي، بل أصبحت عاملا من عوامل الأزمة نفسها، لأن قضايا " القطط السمان" لا تقتصر على جودوين وحده، فهناك عديد من الـ "جودوينيين" - إن جاز التعبير- في كل الأرجاء. لقد منح المديرون التنفيذيون الأمريكيون الذين يسيطرون على الشركات الكبرى أنفسهم أكثر من 19 مليار دولار أمريكي كرواتب ومكافآت.. وماذا أيضا؟ .. حوافز! عن عام 2008 . والحقيقة أن المهزلة لا تكمن في حجم هذه المكافآت والرواتب فقط، بل تتعاظم عند بند الحوافز!. لا أعرف إلا تفسيرا واحدا للحوافز، وهو: أن تحصل عليها عندما تحقق النتائج المطلوبة، أو من أجل تحقق النتائج. لكن هؤلاء حققوا نتائج عكسية تماما، تحتم عليهم أن يدفعوا لمؤسساتهم، لا أن يأخذوا منها. وإذا ما أردنا أن نكون متسامحين معهم، فإننا نقول: يجب عليهم أن يكتفوا برواتب تحاكي متطلبات الأزمة الاقتصادية العالمية، وحقائق وضعية مؤسساتهم على الساحة. لا نقول إن على هؤلاء العمل دون مقابل، فهم أبعد ما يكونون عن ذلك، ولكن نقول: إنه يجب عليهم أن يأخذوا ما يستحقونه فقط، وإن كان من الأفضل للمؤسسات أن يخرجوا منها، إلى غير رجعة. لكن حتى هذا الأمل يبدو صعب المنال مع "القطط السمان". فالمدير السابق لمصرف " بنك أوف اسكوتلاند"، لم يستقل بعد الكوارث التي ضربت مصرفه ولا تزال، بل أجبر على الاستقالة. وهل من وقاحة أكبر بعد ذلك؟!.
مهلا.. الأمر لا ينتهي هنا، والوقاحة مستمرة بصورة أقرب إلى "الغدر". يقول إدوارد ليدي رئيس شركة التأمين الكبرى "أمريكان إنترناشيونال جروب" الأمريكية، المعروفة اختصار بـ (إيه. أي. جي) التي تدخلت الحكومة لإنقاذها: إنه أجاز صرف مكافآت بلغت أكثر من 165 مليون دولار أمريكي لكبار الموظفين في شركته. لماذا؟ . يرد ليدي: "لأنها ضرورية للإبقاء على هؤلاء الموظفين، من ذوي الخبرات، للتخلص من أوراق مالية معقدة قيمتها 2.7 تريليون دولار دفعت الشركة إلى حافة الانهيار في عام 2008 ". فالرجل الذي طلب (بعد ذلك) من الموظفين الذين حصلوا على مكافآت تزيد على 100 ألف دولار، أن يردوا نصفها على الأقل، قال: "كنت أخشى لو لم أخصص الـ 165 مليون دولار كمكافآت، أن يستقيل هؤلاء، في الوقت الذي نحتاج إليهم فيه"!. وهذا يعني ببساطة، أن "القطط السمان" لا ولاء لهم ولا وفاء .. ولا أخلاق، خصوصا في وقت الأزمات. ولعل هذا هو العامل المشترك الطبيعي بينهم وبين القطط. فهذه الأخيرة معروفة بأن "لا صاحب لها"، وأنها يمكن أن تعتدي عليه حتى ولو كان "مسمنها الوحيد".
الغضب العام الذي يتعاظم في جميع الدول الحاضنة للشركات الكبرى، دفع السياسيين إلى وقفة ضرورية، وتحرك حاسم، خصوصا عندما يرتبط الأمر بشركات عامة، أو بتلك التي تدخلت الحكومات لإنقاذها، بأموال دافعي الضرائب، عن طريق المشاركة أو التأميم. والواقع أن الأمر لا يحتاج للرأي العام، ليحرك الحساب والعقاب، وليفرز "القطط السمان" عن تلك التي تعاني "سوء التغذية". ولذلك قرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما تحديد سقف رواتب مديري الشركات بما لا يتجاوز نصف مليون دولار سنويا، كشرط لتقديم الدولة دعما ماليا لها. وكذلك يفعل جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني، وغيرهما من قادة الدول الكبرى الأخرى. علما بأن أية قرارات ستصدر بهذا الخصوص لن تطبق بأثر رجعي.
إن الوقاحة التي تنال من الشأن العام، تتجاوز حقيقتها. وإن الغدر في شأن خاص جريمة، وعندما يتجاوز حالته الخاصة، يصبح جريمة كبرى.