مشاريع الأفراد .. خسائر وهدر للرساميل الوطنية
كثير من الأفراد جربوا افتتاح مشاريع خاصة بهم سواء كان النظام يسمح لهم بذلك أو بالالتفاف عليه عن طريق تسجيل تلك المشاريع بأسماء أقربائهم أو معارفهم، وهذه قضية مهمة سبق أن كتبت عنها من قبل، وقلت حينها إن كثيرا من المحال التي تنتشر في الشوارع يملكها موظفون حكوميون عسكريون ومدنيون لكنها مسجلة بأسماء أبنائهم أو إخوانهم أو زوجاتهم أو معارفهم, وهو ما أفرغ قرار منع موظفي الحكومة من ممارسة العمل التجاري من محتواه وأسهم في إيجاد تستر جديد سميته التستر الوطني, وقلت أيضا إن المنع ربما يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية التي كفلت حرية طلب الرزق ودعت إليه, ورغم أن مجلس الشورى ناقش هذا الموضوع المهم إلا أنه مع الأسف صوت على الإبقاء على قرار المنع رغم أن التستر الوطني قد أفرغه من محتواه ورغم أن موظفي القطاع الخاص يمارسون العمل التجاري إضافة إلى وظائفهم.
وبمناسبة الحديث عن مشاريع الأفراد ومزاولتهم العمل التجاري حسب النظام أو من دونه فهناك موضوع مهم له علاقة بهذا الأمر ولم يسبق لي أن قرأت أن أحدا تطرق إليه وهو فشل كثير من مشاريع الأفراد الخاصة وتكبد أصحابها الخسائر نتيجة تلك التجارب غير الموفقة.
مشاريع الأفراد عادة ما تكون صغيرة الحجم ولا تتطلب رساميل كبيرة, كما أنها لا تعتمد في الغالب على دراسات جدوى علمية, لكن طموح أصحابها في تحسين أوضاعهم المادية يدفعهم نحو التجربة على أمل التوفيق وعادة ما تكون متشابهة أو غير مبتكرة مثل افتتاح محال تجارية أو مطاعم أو مقاه أو مغاسل أو غيرها, لكن ما يميزها أنها تعتمد على العمالة الأجنبية بشكل شبه كامل نظرا لانشغال أصحابها بوظائف عامة أو خاصة.
تلك المشاريع تعد بالآلاف ولو كانت هناك إحصاءات دقيقة عن عدد الرخص الجديدة التي تصدرها البلديات كل عام لأمكن التعرف ولو بشكل تقديري على حجم الأموال المستثمرة فيها, لكن المهم هنا أن أغلب تلك المشاريع لا تدار من قبل أصحابها الذين لا يملك أغلبهم تجارب في تلك النشاطات تكفل لهم التعرف على خبايا العمل الذي يستثمرون فيه ومتطلبات نجاحه وهم يعتمدون في الغالب على العمالة الأجنبية التي تسعى من جهتها إلى تحقيق مصالحها, وهو ما يعجل بفشلها وتكبد أصحابها قيمة تلك المشاريع.
لدينا في المملكة لا ينجح في المشاريع الصغيرة إلا فئتان الأولى تلك التي تشرف بشكل مباشر ومتواصل على مشاريعها, وهذا يتطلب تفرغها لإدارتها وهذا نادرا ما يحصل والثانية تلك التي تؤسس المشاريع وتؤجرها للعمالة الأجنبية بمقابل شهري معلوم وهو حال معظم محال الشوارع التي تنتشر بالآلاف في مدننا, بدءا بمحال الحلاقة والتموينات والمغاسل والمطاعم ومحال أدوات السباكة والكهرباء ولا تنتهي عند المطاعم الكبرى والبناشر ومحال الزيوت وزينة السيارات.
لو كانت هناك قنوات استثمارية آمنة لتلك الرساميل لما خسر أصحابها أموالهم في تلك المشاريع وفي المساهمات العقارية وغيرها, لو كان هناك مركز حكومي لتقديم الاستشارات المالية والإدارية بالمجان لملاك المشاريع الصغيرة لتفادى بعضهم الخسائر, وهذا يقودنا إلى أن الفرد وأين ما اتجه بماله فإن نصيبه الخسائر في الغالب سواء كان على شكل مشروع صغير أو في مساهمة عقارية أو مساهمة بيض أو بطاقات أو حتى في سوق الأسهم, وهذا ما جعله يخسر كثيرا من مدخراته طوال تلك السنوات.
تطرقت من قبل لموضوع تسابق البنوك على (شرعنة) الإقراض لأنه يحقق مكاسب كبيرة لها وقلت إنها, أي البنوك, تناست ( شرعنة) المكاسب على الأموال المودعة لديها لأن مثل ذلك لا يصب في مصلحتها, رغم أن العميل صاحب الحساب أسهم في تحقيق أرباح البنك إلا أنه لم يشاركه في الربح, وهذا يقودنا إلى ضرورة البحث عن مخارج شرعية لمشاركة المودعين البنوك في الأرباح التي تحققها, فإجراء مثل هذا قد يسهم في حفظ أموال الأفراد بدلا من ضياعها في مشاريع ومساهمات وسوق أسهم أكلت الأخضر واليابس.
الآلاف من الأفراد خسروا مدخراتهم في تلك المشاريع الصغيرة لكن من المؤسف حقا أن يسير في الطريق ذاته آلاف غيرهم كل عام ممن ينتظرهم الفشل أيضا. فلو قدرنا عدد المشاريع الخاسرة كل عام بعشرة آلاف مشروع فهذا يعني أن أفرادا بهذا العدد شربوا علقم الخسارة, فهل يمكن إيقافها أم أن طبيعة النفس تهوى المغامرة حتى لو كان ثمنها باهظا وتداعياتها سلبية؟ أخيرا أجزم أن هناك خللا في خطط استثمار الرساميل الصغيرة, فلا يوجد على أرض الواقع وعاء يمكن أن يحتويها ويحميها وينميها في غياب الآليات التنظيمية التي تكفل تحقيق تلك الأهداف من قبل الجهات الحكومية ذات العلاقة.