قرارات جريئة من "المركزي الأمريكي" تثير المخاوف من التضخم

قرارات جريئة من "المركزي الأمريكي" تثير المخاوف من التضخم

مركز الاهتمام في الأسواق المالية هذا الأسبوع انتقل من الأسهم باتجاه السندات الحكومية والسلع والدولار، حيث حلت المخاوف من التضخم محل المخاوف من الانكماش الاقتصادي، بعد قرارات البنك المركزي الأمريكي الجريئة الرامية إلى بعث الروح في الاقتصاد الأمريكي المتعثر.
البنك المركزي الأمريكي أذهل الأسواق حين أعلن أنه سيشتري ما قيمته 300 مليار من سندات الخزانة طويلة الأجل خلال الأشهر الستة المقبلة، كجزء من برنامج للتوسع الهائل في ميزانيته العمومية، وبذلك لحق برَكْب البنك المركزي البريطاني والمركزي الياباني والسويسري في اتباع شكل من أشكال التيسير الكمي في السياسة النقدية.
بعد الإعلان عن تلك الأنباء ارتفعت سندات الحكومة الأمريكية ارتفاعاً كبيراً، حيث سجل العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات أكبر هبوط له خلال يوم واحد منذ 20 سنة، وارتفعت أسعار النفط والمعادن الخسيسة وسط آمال أن قرار المركزي الأمريكي سيكون من شأنه تحفيز الطلب، في حين أن الذهب، الذي يعد من الناحية التقليدية تحوطاً ضد التضخم، ارتفع بصورة حادة. عانى الدولار من أكبر خسارة أسبوعية له منذ أكثر من ربع قرن، في حين أن الاندفاع في الأسهم الأمريكية تراخى شيئاً فشيئاً بعد أن بدأت الشكوك حول قرار "المركزي الأمريكي" بالتسلل إلى عقول المستثمرين. وكان معظم المحللين يتوقعون من "المركزي الأمريكي" أن يجلس في حالة ترقُّب ويدرس أثر القرارات السابقة، والرامية إلى تيسير أوضاع الائتمان، ما دفع البعض إلى التساؤل إن كان الوضع أصبح أسوأ مما كان يتخوف منه المراقبون.
وقال ألان راسكين، رئيس قسم استراتيجية العملات لدى مؤسسة آر بي إس جلوبال بانكنج آند ماركتس RBS Global Banking and Markets: "من المؤكد أن البنك المركزي الأمريكي يشعر بمقدار الخسائر المالية أفضل مما تشعر به السوق، وهناك إدراك متزايد أن هذه الخسائر كبيرة تماماً إلى درجة أنها تسيطر بصورة هائلة على تسهيلات الإقراض لأجَل من الأوراق المالية المدعومة بالموجودات وعلى السياسة النقدية، وهذه السياسات تحتاج بصورة ماسة إلى المساندة حتى يكون لها أي أمل في إيقاف التغذية الراجعة السلبية من الاقتصاد الفعلي إلى الاقتصاد المالي ومن ثم العودة إلى الاقتصاد الفعلي".
هبط العائد على سندات الحكومة الأمريكية لأجل عشر سنوات أكثر من 50 نقطة أساس مباشرة في أعقاب الإعلان عن قرار البنك المركزي، رغم أنه استرد بعض النقاط، مختتماً الأسبوع بهبوط مقداره 27 نقطة أساس، ليصل إلى 2.62 في المائة.
وقال البنك المركزي الأمريكي إن شراءه سندات الخزانة سيركز على السندات ذات الاستحقاقات التي تراوح بين سنتين إلى عشر سنوات، وفي أوروبا هبط العائد على سندات الخزانة الألمانية لأجل عشر سنوات بمقدار سبع نقاط أساس ليصل إلى 2.97 في المائة، ولكن العائد على سندات الخزانة البريطانية لأجل عشر سنوات قفز بمقدار سبع نقاط أساس ليصل إلى 3.02 في المائة، حتى في الوقت الذي استمر فيه البنك المركزي البريطاني بشراء السندات الحكومية عن طريق المزادات العكسية، وفي أسواق العملات، هبط الذهب في الوقت الذي أثار فيه نطاق القرار الأخير من البنك المركزي الأمريكي مخاوف واسعة حول التضخم، حيث يقدِّر بنك باركليز كابيتال أن ميزانية المركزي الأمريكي يمكن أن تصل إلى 29 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة في نهاية العام، أي بزيادة مقدارها 7 في المائة عن السنة الماضية، ولكن الانكماش الاقتصادي، وليس التضخم، لا يزال هو الخطر الأكبر، وفقاً لما يقوله جوناثان لوينز Loynes، من "كابيتال إيكونومِكس"، وقال: "بطبيعة الحال فإن التيسير الكمي يعني أن التضخم يفترض فيه أن يكون أعلى مما لو كانت الحال خلافاً لذلك".
"ولكن في ظل البيئة الحالية، حيث تتفتح الآن طاقة فائضة هائلة في الاقتصاد العالمي، والارتفاع الكبير في معدلات البطالة، والنظام البنكي الذي يعاني خللا وظيفيا كبيرا، فسيكون من الصعب تماماً على البنوك المركزية توليد اندفاع في التضخم حتى لو أرادت ذلك"، وهبط مؤشر الدولار بمقدار 4 في المائة خلال الأسبوع، وهو أكبر هبوط له من عام 1985. وخسر الدولار 4.8 في المائة من قيمته أمام اليورو في أكبر انخفاض له منذ شهرين أمام العملة الأوروبية، ولم يكن للاندفاع في قيمة اليورو شأن يذكر في طمأنة المخاوف المتصاعدة حول الآفاق الاقتصادية والسياسية في منطقة اليورو.
وقال تشارلز دوماس من مؤسسة لومبارد ستريت ريسيرتش: "إن إخفاق السياسيين الأوروبيين في تحفيز الطلب المحلي من شأنه التحول الآن إلى كارثة محتملة، في الوقت الذي كان فيه من شأن التيسير الكمي في بريطانيا والولايات المتحدة دفْع اليورو إلى معدلات عالية في فترة يحتاج فيها إلى الهبوط"، وفي بيانات الإنتاج الصناعي في منطقة اليورو، التي صدرت يوم الجمعة، لم يكن هناك ما يعطي دليلاً إضافياً على أن نشاط التصنيع "هبط من قمة جبل عالٍ وليس من تل صغير"، كما قال هوارد آرتشر، كبير اقتصاديي منطقة بريطانيا وأوروبا لدى مؤسسة آي إتش إس جلوبال إنسايتIHS Global Insight.
وفي أسواق السلعٍ، ارتفع سعر النفط القياسي الأمريكي إلى ما فوق 50 دولاراً للبرميل، حيث بلغ مقدار ارتفاعه 11.4 في المائة على مدى الأسبوع، في حين أن النحاس لامس أعلى مستوى له منذ أربعة أشهر، وشهد الذهب أسبوعاً من التقلب الكبير، حيث هبط في البداية إلى ما دون 900 دولار للأونصة، قبل أن يرتد إلى الأعلى بقوة شديدة في أعقاب الإعلان عن قرار البنك المركزي الأمريكي، وأقفل الذهب هذا الأسبوع بسعر 954 دولاراً للأونصة، أي بزيادة مقدارها 3 في المائة، بدأت أسواق الأسهم هذا الأسبوع بحركة قوية، ولكنها بعد ذلك عانت في سبيل الحصول على دفعٍ جديد، في الوقت الذي حلت فيه فترة تحصيل الأرباح وأصبح المستثمرون أكثر حذراً بخصوص خطط البنك المركزي الأمريكي.
وارتفع مؤشر ستاندارد آند بورز 500 لفترة وجيزة إلى ما فوق 800 نقطة، مسجلاً بذلك تقدماً مقداره 20 في المائة منذ أن سجل يوم التاسع من آذار (مارس) أدنى مستوى له منذ 12 سنة، ثم تراجع ليصل إلى 768.54 نقطة يوم الجمعة. وأغلق المؤشر في نيويورك بارتفاع مقداره 1.6 في المائة على مدى الأسبوع. يذكر أن المؤشر في المقابل حقق ارتفاعاً مقداره 10.7 في المائة على مدى الأيام الخمسة السابقة.
وفي أوروبا تمكن مؤشر فاينانشيال تايمز يوروفيرست 300 من تحقيق ارتفاع على مدى الأسبوع مقداره 2.2 في المائة، وفي طوكيو سجل مؤشر نيكاي 225 ارتفاعاً مقداره 5 في المائة، رغم أن معظم التقدم جاء في أول يومين من الأسبوع.

الأكثر قراءة