لجنة وطنية لمعالجة قضية شركات استثمار الأموال
قضية شركات استثمار الأموال التي مضى عليها أكثر من ثماني سنوات، ولم تلح بعد في الأفق أية بادرة إيجابية لانفراج الأزمة. كما ذكرت في عدة مقالات سابقة، كانت تلك الشركات تعمل تحت نظر القانون بمتابعة ومراجعة دقيقة من عدة جهات حكومية، ما شجع الكثيرين لاستثمار أموالهم في ظل الركود الاقتصادي الذي كانت تعيشه السعودية آنذاك جراء الانخفاض الحاد لأسعار النفط في السوق العالمية متزامنا مع ارتفاع حاد في معدل البطالة. هذه الشركات كانت تمثل الأمل والفرصة الاقتصادية - التي تكاد تكون الوحيدة - للأفراد لتحسين مستوى معيشتهم والتغلب على مشكلاتهم الاقتصادية المتراكمة والمتتابعة. وفي مجتمعنا التكافلي يحتم النظام الاجتماعي والقانون الشرعي على الشخص إعالة أقاربه حتى البعيدين منهم وتحمل مسؤولية توفير السكن ومستلزمات الحياة، هذا إضافة إلى تزايد أعباء المعيشة ومتطلبات الحياة ولم تعد الحياة بسيطة منخفضة التكلفة. كل ذلك جعل الكثيرين يندفعون نحو هذه الشركات واستثمار ما استطاعوا جمعه طيلة حياتهم العملية علهم يجدون بذلك مخرجا من أزماتهم المالية وسد احتياجاتهم المعيشية التي تتفاقم مع مرور الوقت. وفجأة ودون مقدمات وسابق إنذار يتم إيقاف نشاط هذه الشركات ليسقط في أيدي المستثمرين وكأن صاعقة حلت بهم لتختلط عليهم الأمور ويعيشون في دوامة بين الحقيقة والخيال ولتتبخر آمالهم ومشاريعهم المستقبلية لهم ولعائلاتهم دون أن يعلموا لماذا حصل كل ذلك، ولماذا لم يتم إيقاف هذه الشركات بالتدرج، حيث لا يجدد للمساهم الذي تنتهي مدة مساهمته التي عادة ما تراوح بين الأربعة أشهر والستة أشهر حتى يتم تصفية جميع حقوق المساهمين، ويكون ذلك بمراقبة من لجنة تعين لمراقبة أعمال الشركات خلال أعمال التصفية لجميع حقوق المساهمين، ومن ثم يمكن البدء بمسائلة القائمين على هذه الشركات ومحاكمتهم إذا كان هناك ما يستدعي ذلك. هذه قضية عامة وكان لا بد من التعامل معها على هذا المستوى، إذ إن لها تداعيات خطيرة وكبيرة تتعدى المساهمين المباشرين إلى حقوق أفراد ومؤسسات وشركات لم يستطع المساهمون بوفاء التزاماتهم المالية تجاهها بسبب حجز أموالهم دون أن يعلموا لماذا ومتى وكيف سيتم إعادتها إليهم. ويكفي المرء معرفة حجم المشكلة بعدد القضايا في المحاكم بسبب هذه الأزمة، هذا فضلا عن التأثير النفسي والمشكلات الصحية التي يعانيها المساهمون بسبب هذه الضائقة المالية التي حلت بهم دون حول ولا قوة. هؤلاء المساهمون على ثقة من أن ولاة الأمر حريصون على تحقيق العدل والحفاظ على حقوق المواطنين، بل إن هذا ما يميز هذا الوطن الذي يحكم بشرع الله وبه يعدل. وقد تكون هذه الثقة التي يعيش الجميع في ظلها وينعمون بنعمة الأمن والاستقرار والعدل والمساواة هي ما دفعهم في المقام الأول أن يساهموا في هذه الشركات فهم مطمئنون أن حقوقهم لن تضيع وهم داخل دولة التوحيد فلم تحدثهم أنفسهم بالاستثمار خارج وطنهم السعودية على الرغم من الإغراءات الكبيرة والمشاريع الاستثمارية المغرية في بلدان مجاورة، لأنهم لا يثقون ولا يرغبون في الاستثمار في غير بلدهم. وهذه الثقة في محلها وأكبر دليل قرارات وسياسات خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وولي عهده الأمير سلطان بن عبد العزيز الحكيمة والتي تهدف إلى ما ينفع الناس ويحقق مصالحهم.
وقد أثلج صدور الجميع موافقة مجلس الوزراء في 12 من أيار (مايو) الماضي برئاسة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، على آلية عمل لجنة المساهمات العقارية بما يسهم في تنظيم طرح المساهمات العقارية للجمهور والرقابة عليها، وضمان تصفية المساهمات المتعثرة وحفظ حقوق المساهمين. وإنفاذا لهذا التوجيه الكريم أصدرت اللجنة قرارها الخاص بإنشاء أمانة عامة خاصة باللجنة وعينت أمينها العام، إلى جانب تشكيل لجنة تنفيذية من الجهات المشاركة في أعمال اللجنة الأساسية، وحرصا على إنهاء معاناة المواطنين ممن تضرروا من تلك المساهمات العقارية وجه وزير التجارة والصناعة البدء بشكل سريع في تطبيق مضمون قرار مجلس الوزراء الخاص باللجنة ومتابعة التنفيذ. وهذا في حقيقة الأمر يعكس حرص وتفاني الحكومة الرشيدة في معالجة المشكلات بكفاءة وفاعلية، وعلى أن مشكلة المساهمات العقارية المتعثرة التي تقدر بما يقارب 200 مساهمة عقارية تعثرت تصفيتها وتزيد قيمتها على 266 مليون دولار، لفترة تمتد لأكثر من 20 عاما، هي بلا شك مشكلة كبيرة وتتطلب حلا عاجلا، ولكن في المقابل مشكلة شركات استثمار الأموال هي الأخرى تقارب حجم مبالغ المساهمات العقارية المتعثرة ولها التأثير ذاته في شريحة كبيرة من المواطنين. ولذا استبشر وتطلع مساهمو شركات استثمار الأموال أن يحظوا بقرار من مجلس الوزراء بتكوين لجنة على غرار لجنة المساهمات العقارية على المستوى الوطني يتداخل فيها عدة جهات تسعى إلى إنهاء الأزمة التي طال أمدها.
ما دعاني للكتابة عن قضية شركات استثمار الأموال عدة رسائل واتصالات كنت تلقيتها من مساهمين يطالبونني بالكتابة عن قضيتهم ورغبتهم وأملهم في استرداد أموالهم وإفادتهم بما تم من إجراءات حتى الآن، وما سيتم في المستقبل القريب فليس هناك جدول زمني ولا تقارير تفيد عن قضيتهم. إنهم يجهلون مصير أموالهم التي هي شقاء عمل السنين ومدخراتهم التي ضاعت بلمح البصر. لقد ألمحوا إلى أنهم استبشروا خيرا، حينما تقرر إنهاء المساهمات العقارية المتعثرة، عل قضيتهم تحظى أيضا بالاهتمام لتنتهي بالقريب العاجل. والحقيقة أجدني ملزما في نقل صوتهم في ظل ثقافة التطوير والبناء والإصلاح والنقد الإيجابي والشفافية والانفتاح الإعلامي والمساحة الكبيرة في حرية التعبير وحرص المسؤولين على التعرف إلى الرأي العام والقضايا والمشكلات التي تهم المجتمع. منطلق الحديث هنا تحقيق المصلحة العامة فنحن جميعا نعيش في السفينة نفسها والقدرة على التعامل مع السلبيات والإيجابيات في المجتمع يعكس مستوى التحضر الذي نعيشه والنضج الإداري والسياسي والثقافي. هناك جو مفعم بالتفاؤل والتطلعات لأوضاع أفضل نرتقي بها سلم التحضر الإنساني بفضل القيادة الحكيمة الرشيدة، وقد يكون ذلك ما شجع مساهمي شركات الاستثمار وحرك في نفوسهم الأمل أن تعاد لهم أموالهم لا يظلمون ولا يظلمون.