رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


بنك التسليف .. هل من فكر جديد؟

قرر مجلس الوزراء زيادة رأسمال بنك التسليف من قرابة مليار إلى ستة مليارات ريال, وهذه زيادة معتبرة وجاءت في وقتها، القرار الحكومي سديد نظرا لحاجة المملكة إلى مصرف حكومي متخصص في مساعدة من لم تستطع المصارف التجارية الإقراض له بسبب الحجم أو قلة المعلومات أو انشغال المصارف بما هو مربح على حساب ما هو تنموي ومفيد للاقتصاد السعودي. وهناك شريحة اجتماعية اقتصادية مغفل عنها ومغيبة عن فرصة الإقراض وبالتالي دورها في العملية التنموية. كانت هناك إشكاليتان في دور بنك التسليف، الأولى تدور حول الفكر لدى إدارة البنك والأخرى حول حجمه، لا شك أن مشكلة الحجم ليست صغيرة ولكن الحكومة حلتها الآن وتبقى المشكلة الكبرى وهي الفكر في الدور والتقييم وطريقة العمل. تاريخيا يقوم البنك بدور اجتماعي أكثر منه اقتصاديا، قد يكون هناك تلاق في الهدف في المدى البعيد للتداخل الاقتصادي والاجتماعي من ناحية تنموية وخاصة للطبقات الأقل حظا في المجتمع ولكن هناك فرقا منهجيا في الحاجة والعمل. كلا البعدين ذوا أهمية وهناك حاجة ماسة إليهما، ولكن هناك فرقا كبيرا في طبيعة المهام وطريقة العمل وخلطهما لا يخدم أحدا، خلطهما قد يخدم فقط من أراد استخدام رأسمال المصرف في أغراض غير واضحة الهدف سواء بحسن نية أو غيرها، وقد قام المصرف بأعمال اجتماعية جليلة ولكنه اقتصاديا لم يتضح توجه يستحق الذكر.
زيادة رأس المال بهذا الحجم ستمكن القائمين على المصرف من فصل المهمتين (الاجتماعية والاقتصادية) بدرجة أعلى من الوضوح من ناحية, وإيجاد ثقافة ونظام إقراض للمشاريع الصغيرة والإسهام في ثقافة المبادرة, التي هي البذرة الرئيسية في عملية التنمية الاقتصادية, خاصة بعد أن بدأت الحكومة في استغلال جزء من الثروة النفطية في إعادة تأهيل وزيادة البنية التحتية المادية والبشرية. قرار الحكومة بزيادة خمسة مليارات ريال في رأسمال المصرف يحبذ أن يوزع بمضاعفة رأسمال القسم الاجتماعي إلى مليارين، بينما يخصص نحو أربعة مليارات للقسم التجاري في تمويل المشاريع الصغيرة، وفي مرحلة أخرى يخصص جزء معتبر من أرباح القسم التجاري إلى القسم الاجتماعي لضمان استمرارية الدعم الاجتماعي لمن هم أقل حظا في المجتمع.
هذا القسم المقترح, لنقل البنك المقترح, عليه العمل كبنك لصغار المستثمرين وأصحاب المبادرة, خاصة في مجالات الصناعة الصغيرة، يسهمون إسهاما كبيرا في دعم الاقتصاد بل هم قلبه النابض ومقياس مدى حيويته ومدى قدرته على الاستدامة وإيجاد فرص العمل والمراهنة على القدرة الذاتية لأصحاب المواهب ومن لم تستطع المؤسسات الكبيرة العامة والخاصة البيروقراطية إعطاءهم الفرصة.
تذكر الدراسات في الدول المتقدمة والدول المتوسطة في الصناعة أن المؤسسات الصغيرة التي توظف أقل من عشرة أشخاص هي التي تخلق الثروة في المجتمع، ففي كل هذه الدول مؤسسات مالية متخصصة لهذا النوع من الإقراض والدعم.
يستطيع البنك بهذه الزيادة إيجاد القاعدة المعلوماتية والعمل على إيجاد الآلية لتحليل ودراسة المشاريع الصغيرة، هناك مؤسسات تذكر أن هذا هو أحد اهتماماتها كالغرف التجارية وبعض المؤسسات الحكومية والخاصة ولكن إيجاد مؤسسة بهذا العمق والحجم والتخطيط والقدرة على الاستفادة من تجارب هذه المؤسسات سيسهم في إيجاد ثقافة الأعمال الصغيرة، والقدرة المنهجية في تحليل الفرص وكشف المواهب ودفع العجلة لتدور في الاتجاه الصحيح.
هناك توجه في إيجاد مراكز ومدن معلوماتية بالتعاون مع مدينة الملك عبد العزيز للتقنية, فيحبذ أن يعمل البنك على تمويل أصحاب المبادرة مباشرة والحذر من إدخال أصحاب المبادرات ورجال الأعمال الصغار في دهاليز البيروقراطية العميقة أو المحاباة على حساب تمويل الأعمال الناجحة.
إحدى الملاحظات على الأعمال الصغيرة كثرة ما سيفشل منها ولكن نجاح البعض سيكون ذا مردود عال جدا على المجتمع كافة.
أحد عوامل النجاح أن يكون البنك شخصية اعتبارية معروفة في وسط الأعمال، وأن يبحث عن الفرص كأي مصرف تجاري بغرض الربح مركزا على الأعمال الصغيرة ذات القيمة المضافة العالية.
إحدى الملاحظات على بنك التسليف اليوم هي غيابه إعلاميا وعدم وجوده على ساحة المال والأعمال السعودية. برأسمال قدره أربعة مليارات ريال أي أكثر من مليار دولار سوف يصبح واحدا من كبرى المؤسسات المصرفية في المنطقة, وبالتالي سيستطيع القيام بهذا الدور التنموي التجاري إذا أخذنا بعقلية جديدة واستطاع أن يخرج من النمط الذي عرف عنه في الماضي.
ستكون خسارة كبيرة على المجتمع ليس ماليا فقط – وهذا معتبر – ولكن خسارة أكبر تنمويا إذا لم يستطع الخروج من هذا التفكير النمطي التقليدي والحصار البيروقراطي الذي ضد العمل التنموي الذي مركزه صاحب المبادرة والفكرة الخلاقة والتفكير خارج الإطار النمطي لما عهده البنك. لعل إحدى هذه الخطوات تبدأ من تغيير في الإدارة العليا والكوادر الفنية والنظام الائتماني والمصرفي عموما، ليس هناك ما يمنع من أن يقوم البنك بقبول الودائع الخاصة للمستفيدين من خدماته كخطوة أولى في جعله مصرفا تجاريا متخصصا في الأعمال الصغيرة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي