محاكمة الرئيس السوداني والرد الثقافي العربي
المتتبع لقضية مذكرة اعتقال الرئيس السوداني يرثي للحالة التي وصل إليها الإنسان العربي. ومن يريد المقارنة بالرئيس الصربي السابق فالشائك في الأمر أن الرئيس السوداني الآن لم يزل في سدة الرئاسة ولم يزل يتحدث باسم الشعب السوداني ويمثل قضيته. سأحاول في هذا المقال ألا أتورط في التفسير السياسي للأمر لكنني أعلق على هذه القضية من جانبها الثقافي وهي ذات جوانب. بداية أحيل القارئ الكريم إلى مقالة الدكتور عبد الله البريدي الصادر في جريدة "الجزيرة" بعنوان "محاكمة البشير والخروج من التيه الثقافي السياسي"، حيث ركز الكاتب على الأثر الكبير الذي يمكن أن ينتج من الفعل الثقافي الجمعي للمثقفين العرب ضد قضية التدخل الخارجي في القضايا العربية.
في مقال ثري ومؤثر يؤكد الدكتور على أهمية تدوين ميثاق ثقافي عربي ضد التدخلات الخارجية فهو يرى الخطورة الكبيرة من وجود بعض المثقفين الذين يشيدون بمثل هذا التدخل ويؤيدونه على أساس الرغبة في تحقيق مشاريعنا الإصلاحية المعطلة. أؤيد الدكتور حول هذه الخطورة. فكيف يمكن اعتباره مثقفا عربيا من ينادي بتدخل غير عربي في شأننا بحجة الدفاع عن مشاريعنا الإصلاحية العربية أو الدفع بها قدما؟ كيف لنا أن نعتقد أن الأجنبي سيكون مستقلا وموضوعيا محايدا وخالي اليد من مشاريعه – بتنوعها – وأن مشاريعنا لن تتعارض معه ومصالحه؟ هذه الفرضية الخطيرة جدا – وإن آمن بها من آمن - لا يمكن أن تكون مبررا للتدخلات الأجنبية في الشأن العربي أو تجد دعما ثقافيا لها. لن أتهم أحدا – ولست معنيا بذلك – ويجب ألا تتورط الساحة الثقافية العربية في هذا لأنه سيدخل القضية برمتها في دهاليز فرعية وتفرغ الساحة الفكرية من نقاشات مهمة جدا ضد المشاريع الأجنبية المهددة لمصالح أمتنا على اختلافها وتعددها. لذلك رفع الدكتور عبد الله شعاره مناديا بميثاق للمثقفين العرب من خلاله نعمل على رفض التدخل الأجنبي فضلا عن دعمه لمجرد أننا نختلف – مهما توسع الخلاف واشتد – مع من يدير الشأن العربي. تلك هي القضية "أن نكون مثقفين عربا أو لا نكون". عرب نتحدث باسم المشروع العربي ونكتب له بيد عربية.
في نظري أن عدم قدرة السياسة العربية على التقدم نحو بلورة نموذج عربي موحد يعود - في جانب كبير منه - إلى فشل الفعل الثقافي العربي نفسه في تنسيق توجهاته. وبقدر ما نجد الانفصام في السياسة العربية بقدر ما قد نستطيع القول إنه انعكاس للفشل الثقافي وانفصامه، وتصريحنا في الأخير أكثر صعوبة ومرارة من الهمس بالأول. من الصعب لدى البعض قبول فكرة تأثير المثقف على السياسي لأن المتداول أن المثقفين العرب هم ضحية السياسيين، لكني أعتقد أن الثقافة العربية تحب أن تلعب دور الضحية بينما الواقع أن المثقفين العرب - وغير العرب - هم الجناة وهم الضحايا. فعلى مر التاريخ كانت السياسة تتبع التوجهات الثقافية – ولنقل ثقافة تتبناها السياسة وتتأثر بها. وبما أن الثقافة ليست حصرا على فئة أو مذهب وبما أن الخلاف الثقافي أصيل فإن المعارض الثقافي إما أن يتورط في معارضة سياسية أو أن يتم تجاهله وتجاهل فكره. التورط السياسي للمثقف يأتي من تبني قوى سياسية معارضة له والتجاهل يأتي نتيجة لإغلاق المنافذ أمامه. على هذا فإن التقارب الثقافي يولد تقاربا سياسيا (توحيد التوجه) والخطاب الثقافي في قضية معينة سيشكل توجها سياسيا.
وفق هذا المنظور الشامل للحركة الثقافية العربية ينادي الدكتور عبد الله وأنادي معه بضرورة تدوين ميثاق ثقافي عربي موحد يوقع عليه المثقفون العرب تحت مظلة الجامعة العربية برفض التدخل الأجنبي السافر في الأقطار العربية ووضع حد له وأن التدخل الأجنبي مرفوض وأن الحركة الثقافية لدعم مثل هذا التدخل والتبرير له وبكل أشكالها مرفوضة أيضا. إن الالتزام الثقافي – على اختلاف الأطياف الفكرية وتنوع مشاربها وجغرافيتها - بهذا الميثاق سيخلق بيئة مناسبة جدا لالتزام سياسي وشعبي ضد التدخل الأجنبي في القضايا العربية وحتما سيحد منه.