الريبو والسيطرة على السيولة

أدت الأزمة المالية إلى تغيير المصارف المركزية حول العالم لأولوياتها, فبعد ما كانت هذه المصارف تركز على استخدام سياسات التشدد النقدي المضاد للتضخم غدت بعد الأزمة المالية تستخدم سياسات مناقضة لتلك السياسات وتهدف إلى التصدي لشح السيولة في الأسواق. وتستخدم المصارف المركزية سياسات التوسع النقدي للتعامل مع الانكماش الحاد في مستويات الائتمان المقدمة للقطاعات الحقيقية، والذي نتج عن ارتفاع مخاطر الاقتراض, سواءً بين المصارف التجارية نفسها أو بينها وبين القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية. ولتمكين المصارف التجارية من تقديم المزيد من الائتمان خفضت المصارف المركزية أسعار الفائدة الأساسية وخففت من شروط منح الائتمان قصير الأجل المقدم للمصارف. وتخفض المصارف المركزية من تكاليف الائتمان قصير الأجل للتأثير في أسعار الائتمان طويل الأجل الذي يؤثر في الاقتصادي الحقيقي. وخفض تكاليف الائتمان طويل الأجل ينشط الطلب الكلي, ما يشجع على النمو والتوظيف، وهو أداة فاعلة لتحفيز النشاط الاقتصادي.
وتتحدد تكاليف الإقراض طويل الأجل من خلال تكاليف الإقراض قصير الأجل ومخاطر الائتمان التي تراها المصارف في طالبي الائتمان. ومن الواضح أن الأزمة المالية العالمية أدت إلى تراجع كبير في الثقة بين المصارف وفي قدرة القطاعات الإنتاجية والاستهلاكية على السداد، وبهذا ارتفعت مخاطر منح الائتمان وارتفعت معه تكاليف الإقراض. وخفضت المصارف المركزية أسعار الخصم الأساسية المقدمة للمصارف التجارية، كما وفرت ضمانات للإيداعات المصرفية وخففت من شروط الضمانات المطلوبة لمنح الائتمان المقدم للمصارف التجارية, وذلك لتوفير السيولة للمصارف التجارية وخفض مخاطر وتكاليف الائتمان. وتستخدم المصارف المركزية أسعار الخصم الأساسية للسيطرة على السيولة، كما قد تستخدم الإجراءات الإدارية للتأثير في مستويات منح الائتمان ومستويات السيولة. وتشمل الإجراءات الإدارية تغيير متطلبات نسب الاحتياطيات الإلزامية المفروضة على المصارف التجارية وتغيير شروط منح الائتمان أو أحجامه أو الضمانات المطلوبة من القطاع الخاص أو المصارف التجارية للحصول على ائتمان من المصارف المركزية. ولا يحبذ معظم المختصين استخدام الإجراءات الإدارية للسيطرة على السيولة, حيث إنها تقلل من مستويات كفاءة النظام المصرفي وتحد من قدرته للتعامل مع متغيرات الأسواق, وذلك في حالة التشدد فيها، أو قد تتسبب في تكون فقاعات اقتصادية عند التراخي في تطبيق الأنظمة أو تخفيف قيودها. ويرى بعض المختصين أن تغيير بعض الإجراءات الإدارية كرفع نسب الاحتياطي الإلزامي قد تكون سياسات قوية وتعسفية وينبغي ألا يلجأ إليها إلا في الظروف الاستثنائية.
وتستخدم مؤسسة النقد العربي السعودي بصورة أساسية معدل الريبو والريبو العكسي والإجراءات الإدارية للتأثير في مستويات السيولة في المملكة. ومعدل الريبو ببساطة هو معدل الفائدة التي تتقاضاها مؤسسة النقد العربي السعودي على القروض قصيرة الأجل الممنوحة للمصارف التجارية مقابل ضمانات معينة كسندات الخزانة. ورفع معدل الريبو يرفع تكاليف اقتراض المصارف التجارية من المؤسسة, ما يخفض من قدرتها على منح الائتمان للقطاعات الحقيقية ويرفع تكاليفه ويخفض بالتالي مستويات السيولة ومن الضغوط على الأسعار. وقد رفعت مؤسسة النقد العربي السعودي من معدلات الريبو في الربع الأخير من عام 2007 والثلاثة الأرباع الأخيرة من عام 2008، كما شددت من بعض الإجراءات الإدارية للحد من نمو كتل النقود المتسارع وخفض الضغوط التضخمية. وإضافة إلى ذلك استخدمت المؤسسة القيود الإدارية بسبب محدودية قدرتها على تغيير معدلات الريبو. ولا تستطيع المؤسسة تغيير معدلات الريبو بالصورة التي تتناسب مع المعطيات الاقتصادية المحلية بسبب ارتباط الريال بالدولار الأمريكي. ولهذا فإن عليها تتبع سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي المتعلقة برفع معدلات الفائدة الأساسية, ونظراً لكون السياسات النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي كانت تهدف في الفترة السابقة إلى تحفيز الاقتصاد الأمريكي المتباطئ فيما كان اقتصاد المملكة يمر بفترة نشاط اقتصادي، لجأت المؤسسة إلى التشدد في بعض الإجراءات الإدارية للحد من ارتفاع معدلات نمو كتل النقود. وضاعفت مؤسسة النقد العربي السعودي تقريباً من نسبة الاحتياطي الإلزامي لدى المصارف التجارية خلال عام 2008، كما خفضت من الحد الأعلى للقروض الشخصية ووضعت بعض القيود عليها. وعلى الرغم من فرض تلك الإجراءات استمر نمو الائتمان والسيولة بشدة خلال الثلاثة الأرباع الأولى من عام 2008. وقد يكون هذا عائداً إلى عدم عمق الأسواق المالية وتأخر المؤسسة في التعامل مع الضغوط التضخمية، حيث تتطلب سياسة مكافحة التضخم اتخاذ إجراءات نقدية استباقية بفترة لا تقل عن ثلاثة أرباع العام. ومن سوء الحظ أن يتزامن بلوغ أثر التشدد النقدي مع بداية الأزمة المالية في أيلول (سبتمبر) من عام 2008. وتشير بيانات عرض النقود إلى تراجع النمو في عرض النقود لشهري تشرين الأول (أكتوبر) وتشرين الثاني (نوفمبر) عن مستويات أيلول (سبتمبر). وقد يكون هذا ناتجاً بصورة جزئية عن إجراءات تجفيف السيولة التي اتخذت في العام السابق والتي أخذت تؤثر في السيولة في نهاية عام 2008.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي