أزمة وظائف
في الشهر الماضي، ارتفع معدل البطالة في أمريكا إلى 8.1 في المائة، وهو الأعلى منذ ربع قرن. وبالنسبة لأولئك الذين فقدوا وظائفهم في الآونة الأخيرة، فإن فرص إيجاد وظيفة أخرى قريبا هي الأسوأ منذ بدء التسجيل قبل 50 عاما. وفي الصين، تم تسريح 20 مليون عامل مهاجر (ربما 3 في المائة من قوة العمل). وخفضت صناعة المنسوجات في كمبوديا، المصدر الرئيسي للصادرات لها، عامل من بين كل عشرة عمّال. أما في إسبانيا، تسببت أزمة البناء برفع معدل البطالة بنسبة الثلثين خلال عام واحد، ليصل إلى 14.8 في المائة في كانون الثاني (يناير). وفي اليابان، التي لم تكن معدلات البطالة الرسمية معروفة، فقد عشرات الآلاف من الأشخاص الذين يعملون بموجب عقود مؤقتة وظائفهم، وفقدوا معها المسكن الذي كان أصحاب العمل يوفرونه.
وقد بدأت المرحلة الثانية من الركود الاقتصادي العالمي تتشكل على شكل أزمة وظائف عالمية. وبدأت ملامحها تصبح واضحة الآن، إلا أن شدة ونطاق والفترة المحتملة للركود، إضافة إلى التغييرات في هيكل أسواق العمالة في كل من الاقتصادات الغنية والناشئة، كلها توحي بأن العالم على وشك أن يعاني أكبر زيادة في معدل البطالة منذ عقود.
وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2008، انخفض الناتج المحلي الإجمالي لأمريكا على أساس معدل سنوي يبلغ 6.2 في المائة. وقد لا يكون هذا الربع أفضل بكثير. فقد تقلص الناتج بمعدل أسرع في الدول التي تعتمد على الصادرات (مثل ألمانيا واليابان وعديد من الاقتصادات الآسيوية الناشئة) أو على التمويل الأجنبي (خاصة أوروبا الشرقية والوسطى). وقال صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي أنه من المحتمل أن ينخفض الناتج العالمي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية. ويتوقع البنك الدولي أن يحدث أسرع انكماش تجاري منذ فترة الكساد العظيم.
ولا بد أن يضر الانهيار الاقتصادي على هذا النطاق بالوظائف بصورة كبيرة. وفي أحدث مسح فصلي لها، وجدت شركة Manpower لخدمات التوظيف أن نوايا التوظيف لدى الشركات في 23 دولة من الدول الثلاثة والثلاثين التي يشملها المسح هي الأضعف منذ بدء التسجيل. ولأن التغييرات في البطالة تحدث بعد فترة طويلة من التغييرات في الناتج، فإن معدلات البطالة سترتفع أكثر حتى لو توقفت الاقتصادات عن التقلص اليوم. ولكن الأمل ليس كبيرا في أن تتوقف الآن عن التقلص، كما أن عديدا من معالم هذا الركود يبدو ضارا بصورة خاصة.
لقد أدت الأزمة الائتمانية إلى تفاقم تأثير انخفاض الطلب، حيث ضغطت على الشركات التي تعاني ضائقة مالية لتخفيض التكاليف بصورة أسرع. ويعني انهيار الأصول وإلغاء الديون التي هي أصل الركود أن الانتعاش في نهاية المطاف سيكون ضعيفا جدا على الأرجح بحيث لن يؤدي إلى إيجاد وظائف بسرعة. وحين ينتعش الطلب، ستتغير تركيبة الوظائف. ففي العالم في فترة ما بعد الفقاعات، سيدخر المستهلكون المديونين مزيدا من المال، وستضطر الاقتصادات التي لديها فوائض، من الصين إلى ألمانيا، إلى الاعتماد أكثر على الإنفاق المحلي. ولن يعود الانتعاش إلى الصناعات التي ازدهرت في السنوات الأخيرة، من البناء إلى التمويل. وسيكون على ملايين الأشخاص، من المصرفيين في "وول ستريت" إلى المهاجرين الصينيين، إيجاد مجالات عمل مختلفة تماما.
في الوقت الحالي، يتضح الضرر بأوضح صوره في أمريكا، التي بدأ فيها الركود في وقت أبكر من المناطق الأخرى في كانون الأول (ديسمبر) 2007، وفقا للمكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية) التي تعني فيها سهولة التوظيف والطرد أن التغيرات في الطلب على العمال ستظهر بصورة أسرع في قوائم التوظيف. وقد بدأ الاقتصاد بخسارة الوظائف في كانون الثاني (يناير) 2008. وفي البداية، كان الانخفاض معتدل إلى حد ما ويقتصر إلى حد كبير على البناء (بسبب أزمة الإسكان) والتصنيع (الذي ينخفض فيه معدل التوظيف منذ فترة طويلة). ولكن منذ أيلول (سبتمبر)، تسارع الانخفاض واتسع نطاقه. ومن بين الوظائف التي تم خسارتها والبالغة 4.4 مليون وظيفة منذ بدء الركود، تم خسارة 3.3 مليون منها خلال الستة أشهر الماضية. وقد تضرر كل قطاع تقريبا بشدة. ولم يوظف أي قطاع عمال في الشهر الماضي إلا قطاعات التعليم والحكومة والرعاية الصحية.
وحتى الآن، يشبه نمط فقدان الوظائف في فترة الركود هذه النمط الذي ساد في فترات الانكماش الأولى لفترة ما بعد الحرب (بدأ في عام 1948، و1953، و1957). وقد أحدثت فترات الركود تلك تقلبات هائلة، ولكن مؤقتة، في التوظيف، في اقتصاد أكثر اعتمادا بكثير من اقتصاد اليوم على التصنيع. وكنسبة من قوة العمل، تم فقدان عدد أكبر من الوظائف في فترة الركود هذه مقارنة بأي فترة ركود منذ عام 1957. كما أن وتيرة فقدان الناس وظائفهم، بقياسها وفقا لنسبة القوى العاملة التي تقدم طلبات أسبوعية للحصول على فوائد البطالة، أسرع بكثير عنها في فترات الانكماش في عامي 1990 و2001.
إلا أن ما يخشى منه هو أن يؤدي شبح الديون الفائضة وأزمة الإسكان إلى انتعاش بطيء - حيث يبدو أنه سيكون مثل فترات انتعاش الوظائف بعد فترتي الركود السابقتين وليس مثل فترات الانتعاش القوية بعد فترات الركود الأولى في فترة ما بعد الحرب. وتنذر الدلائل إلى حدوث زيادة حادة في فقدان الوظائف الدائم وارتفاع عدد الأشخاص العاطلين عن العمل لمدة ستة أشهر أو أكثر إلى 1.9 في المائة من قوة العمل، أي قريب من مستواها المرتفع لما بعد الحرب.
وتحدث التغييرات بسرعة كبيرة بحيث إن التوقعات الرسمية لا تستطيع مواكبتها. ففي ميزانيتها لشهر شباط (فبراير)، توقعت إدارة أوباما أن يكون معدل البطالة 8.1 في المائة لهذا العام. ولكن تم بلوغ هذه النسبة خلال شهر واحد. ويعتقد كثير من محللي "وول ستريت" أن المعدل سيتسارع 10 في المائة بحلول عام 2010، ويتوقع كثيرون أن يتجاوز ذروته لما بعد عام 1945 التي بلغت 10.8 في المائة. وتشير الأزمات المصرفية السابقة إلى توقعات أكثر كآبة. فالدراسة التي أجرتها Carmen Reinhart من جامعة ماريلاند وKen Rogoff من جامعة هارفارد تشير إلى أن معدل البطالة ارتفع بمتوسط سبع نقاط مئوية بعد أزمات مصرفية كبيرة أخرى في فترة ما بعد الحرب. ويعني هذا أن يبلغ المعدل في أمريكا نحو 12 في المائة.
علاوة على ذلك، فإن معدل البطالة الرسمي يقلل من حجم الركود بنسبة أكبر عنها في فترات الانكماش السابقة. فالكثير من الشركات بدأت بتقليل الساعات من أجل تخفيض التكاليف. فأسبوع العمل العادي هو الأقصر الآن منذ عام 1964 على الأقل، إذ يبلغ 33.3 ساعة. وأصبحت الإجازات غير مدفوعة الأجر أكثر شيوعا، وليس فقط في شركات التصنيع الدورية حيث تعتبر مثل تلك الإجازات ممارسة معمول بها. وقد وجد مسح حديث أجرته شركة Watson Wyatt الاستشارية أن صاحب عمل واحد من أصل عشرة ينوي تقليص أسبوع العمل في الأشهر المقبلة. وقد خططت 6 في المائة من الشركات لإجازات إلزامية غير مدفوعة الأجر، وسيكون هناك إجازات طوعية في 9 في المائة أخرى من الشركات.
وتبدو أسواق الوظائف في أوروبا أقل سوء في الوقت الراهن. ويعود ذلك جزئيا إلى كون الركود بدأ في وقت لاحق هناك، وأيضا لأن معدل البطالة كان منخفضا بصورة غير عادية بالمعايير الأوروبية، وكذلك لأن أسواق العمل الأقل مرونة في أوروبا تستجيب بصورة أبطأ من أسواق العمل في أمريكا. وفي شهر كانون الثاني (يناير)، بلغ معدل البطالة في منطقة اليورو 8.2 في المائة، بعد أن كان 7.2 في المائة قبل عام من ذلك. وكان معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي ككل 7.6 في المائة، بعد أن بلغ 6.8 في المائة. وللمرة الأولى منذ سنوات، تقاربت معدلات البطالة الأمريكية والأوروبية.
وهناك اختلافات كبيرة داخل الاتحاد الأوروبي. فقد شهدت أيرلندا وإسبانيا، الدولتين اللتان ازدهر البناء فيهما ثم تراجع بصورة حادة، خسائر كبيرة في الوظائف. وقد جاء 30 في المائة تقريبا من نمو الوظائف في أيرلندا في النصف الأول من هذا العقد من تجارة البناء. وقد زاد معدل البطالة فيها بنسبة الضعف تقريبا في العام الماضي. ويرتفع المعدل بصورة ملحوظة أيضا في بريطانيا، وهو اقتصاد آخر في مرحلة ما بعد فقاعة العقارات. وفي نهاية العام الماضي، كان 6.3 في المائة من العمل عاطلين عن العمل، بعد أن كانت النسبة 5.2 في المائة قبل عام من ذلك. ومن المرجح أن تظهر الأرقام التي من المقرر نشرها في الثامن عشر من آذار (مارس) أن عدد العاطلين عن العمل يتجاوز مليوني شخص للمرة الأولى منذ أكثر من عقد.
وفي أكبر اقتصادات أوروبا القارية، بدأت تظهر الآن آثار الناتج المتقلص على الوظائف. وعلى الرغم من انخفاض الناتج في ألمانيا على أساس سنوي يبلغ 7 في المائة في الربع الأخير من عام 2008، إلا أن البطالة كانت ترتفع. ولا تزال النسبة أقل مما كانت عليه قبل عام. ومع ذلك، لا يشك أحد في الاتجاه الذي تتجه إليه البطالة. ففي كانون الثاني (يناير)، توقعت المفوضية الأوروبية أن يرتفع معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي إلى 9.5 في المائة عام 2010. وكما هو الحال في أمريكا، يتوقع كثير من الاقتصاديين من القطاع الخاص أن يبلغ معدل البطالة 10 في المائة أو أكثر.
وتشير التغييرات الهيكلية في أسواق العمل الأوروبية أنه سيتم خسارة الوظائف بوتيرة أسرع عنها في فترات الانكماش السابقة. فقد انتشرت العقود المؤقتة في عديد من الدول، بوصفها وسيلة لمراوغة النفقات وصعوبة طرد العمال الدائمين. والسبب في الجزء الأكبر من تخفيض معدل البطالة الأوروبية في وقت سابق من هذا العقد هو النمو السريع لمثل تلك العقود. وقد بدأت هذه العملية تسير الآن في الاتجاه المعاكس. ففي إسبانيا، المثال الأكثر تطرفا في أوروبا على سوق العمل "المزدوج"، تحمّل العمال المؤقتون العبء الأكبر من فقدان الوظائف في العام الماضي. وفي فرنسا، انخفض التوظيف بموجب عقود مؤقتة بنسبة الخمس. ولم تتأثر حتى الآن الوظائف الدائمة.
#2#
وعلى الرغم من أن كثرة العقود المؤقتة أدت إلى مرونة أكبر، إلا أنها وضعت عبء التعديل بصورة غير متناسبة على عاتق المهاجرين الشباب ذوي المهارات المتدنية. كما أن النسبة المتزايدة من المهاجرين بين قوة العمل في أوروبا تجعل المسار المحتمل للبطالة أكثر غموضا. وكما يشير Samuel Bentolila، الاقتصادي في كلية CEMFI الإسبانية للخريجين، فإن زيادة معدل البطالة في إسبانيا لا تعود إلى قلة فرص العمل فقط. فبسبب الهجرة المستمرة، لا تزال قوة العمل تنمو بشكل سريع. وعلى النقيض من ذلك، يعتقد أن مئات الآلاف من العمال المهاجرين البولنديين في بريطانيا عادوا إلى وطنهم.
وعلى الرغم من قلة عدد المهاجرين في اليابان، إلا أنها بدأت تظهر توترات ناجمة عن سوق العمل المزدوج. وفي الواقع، فإن قوة العمل فيها منقسمة بصورة أكبر من أي دولة صناعية أخرى. فالعمال "النظاميون" يتمتعون بحماية قوية، في حين أن العدد الهائل من العمال المؤقتين والذين يعملون بدوام جزئي لا يتمتعون بأية حماية تقريبا. ومنذ التسعينيات، "العقد الضائع"، أصبحت الشركات تعتمد بصورة متزايدة على هؤلاء العمال غير النظاميين، الذين يشكلون الآن نسبة الثلث من جميع العمال، بعد أن كانت النسبة تبلغ 20 في المائة عام 1990.
ومع انهيار الصناعة اليابانية، كانت جميع الوظائف التي تم التخلص منها تقريبا تعود لهم. ومعظمهم غير مؤهلين للحصول على مساعدات البطالة. وتشير تقديرات أحد مسؤولي وزارة العمل إلى أن ثلث الذين فقدوا وظائفهم في الأشهر الماضية، والبالغ عددهم 160 ألف، خسروا أيضا منازلهم، وأحيانا خلال بضعة أيام من تاريخ الإشعار. وفي وقت سابق من هذا العام، نصب عدة مئات من العمال المؤقتين الذين فقدوا منازلهم قرية من الخيام في متنزه Hibiya في وسط طوكيو، المقابل لوزارة العمل والذي يبعد بضعة مبان فقط عن القصر الإمبراطوري. ولا يزال الأسوأ يلوح في الأفق، حيث يتوقع على نطاق واسع أن تتجاوز البطالة، التي تبلغ الآن 4.1 في المائة، ذروتها في فترة ما بعد الحرب التي بلغت 5.8 في المائة خلال هذا العام. ويتحدث الاقتصاديون في اليابان أيضا عن مثل تلك الأرقام الثنائية.
وفي الاقتصادات الناشئة، من الأصعب بكثير قياس نطاق المشكلة. وتنتشر الأدلة المروية عن انخفاض معدل العمالة، خاصة في مجالات البناء والتعدين والتصنيع الموجه للتصدير. إلا أن الأرقام الرسمية المتعلقة بفقدان الوظائف ومعدلات البطالة أكثر غموضا. وتشير التقديرات من منظمة العمل الدولية إلى أن عدد الأشخاص العاطلين عن العمل في الاقتصادات الناشئة ارتفع بواقع ثمانية شخص عام 2008 ليصل إلى 158 مليون شخص، أي معدل بطالة يبلغ نحو 5.9 في المائة. وفي تقرير حديث، توقعت منظمة العمل الدولية عدة سيناريوهات لعام 2009. ويشير أكثر السيناريوهات كآبة إلى أنه قد يكون هناك 32 مليون عاطل عن العمل إضافيين في العالم الناشئ هذا العام. وتبدو هذه التقديرات الآن معقولة جدا، حيث سيعود الملايين من قطاع التوظيف الرسمي إلى القطاع غير الرسمي ومن المدن إلى المناطق الريفية. ووفقا للبنك الدولي، سيقع نتيجة لذلك 53 مليون شخص آخرين في الفقر المدقع عام 2009.
يشير التاريخ إلى أن ارتفاع معدل البطالة ليس فقط مشكلة اقتصادية، بل أيضا مأزق سياسي متفجر. فأسواق العمل الضعيفة قد تؤجج نيران كراهية الأجانب، خاصة في أوروبا التي تعد هذه الفترة أول انكماش لها منذ ارتفاع معدل الهجرة. وتشعر قيادة الصين بالهلع من احتمالية اندلاع اضطرابات اجتماعية جراء ارتفاع معدل البطالة، خاصة بين النخبة الحضرية.
وبالنظر إلى تلك المخاطر، لن يقف السياسيون مكتوفي الأيدي مع اختفاء الوظائف. وأهم خط دفاع لهم هو تعزيز الطلب. وقد أعلنت جميع الاقتصادات الغنية الرئيسية ومعظم الاقتصادات الناشئة الكبيرة رزم حوافز مالية.
#3#
وبما أن معظم الاقتصادات الناشئة تفتقر إلى تأمين واسع النطاق ضد البطالة، فإن الطريقة الرئيسية لمساعدة العاطلين عن العمل هي عبر مشاريع بنية تحتية حكومية تتطلب عمالة كثيفة، إضافة إلى تحويلات مالية مشروطة لأشد الناس فقرا. وتشمل رزمة حوافز الصين المالية كثيرا من المال لمشاريع البنية التحتية؛ وتعمل الهند على تسريع مشاريع بقيمة 0.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن عددا قليلا من الاقتصادات الناشئة لديه مخططات للتأمين ضد البطالة أكثر إبداعا من تلك الموجودة في العالم الغني. ففي تشيلي وكولومبيا، يضع العمال في القطاع الرسمي المال في حسابات بطالة فردية، التي يمكن لهم السحب منها إذا فقدوا وظائفهم. وقد وضع عدد أكبر من الدول أنظمة معاشات تقاعدية ممولة مسبقا على أساس الحسابات الفردية. ويعتقد Robert Holzmann من البنك الدولي أنه يجب السماح للناس بالاقتراض من مثل تلك الحسابات حين يكونون عاطلين عن العمل. ويدرس عديد من الدول هذه الفكرة.
وفي الدول المتقدمة، كان لاستجابات الحكومات السابقة على ارتفاع معدل البطالة تأثيرات دائمة وأحيانا ضارة. فحين ارتفع معدل البطالة بعد صدمات النفط في السبعينيات، أبقت الحكومات الغربية، التي كانت تعاني ضغوط نقابات العمال القوية، أسواق العمل جامدة وحاولت تقليص طوابير طالبي الإعانات عن طريق تشجيع التقاعد المبكر. وأدى هذا، الذي كان مصحوبا باستحقاقات رعاية اجتماعية سخية، إلى عقود من ارتفاع معدل البطالة "الهيكلية" وزيادة هائلة في نسبة الأشخاص العاطلين عن العمل. وفي أمريكا التي تعتبر شبكة الأمان الاجتماعي فيها أضعف، كان هناك مقدار أقل من الجمود التنظيمي وكان الناس أكثر استعدادا للتحرك، وبالتالي استجاب العمال بصورة أكثر مرونة للتغيرات الهيكلية. وبعد أقل من ست سنوات بعد أن بلغ معدل البطالة 10.8 في المائة، في فترة ما بعد الحرب، عام 1982، كان معدل البطالة في أمريكا قريب من 5 في المائة.
ولا تزال السياسة في أمريكا تميل نحو إبقاء المنافع منخفضة والأسواق مرنة بدلا من تخفيف ألم البطالة. ومنافع العاطلين عن العمل، إذا كان هناك منافع، أقل مما كانت عليها في السبعينيات. ويتم تمويل التأمين ضد البطالة بصورة مشتركة بين الولايات والحكومة الفيدرالية. وقد حددت الولايات معايير الأهلية، وفي العديد من الحالات لم تواكب التغيرات في تركيبة القوى العاملة. ففي 32 ولاية مثلا، العمال بدوام جزئي غير مؤهلين للحصول على المنافع. وإجمالا، يتلقى أقل من نصف العاطلين عن العمل في أمريكا مساعدات. وتختلف المنافع التي يحصلوا عليها كثيرا من ولاية لأخرى، ولكنها بشكل عام من بين أقل المنافع في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عند مقارنتها بمتوسط الأجور.
وقد عززت رزمة الحوافز الأخيرة في أمريكا شبكة الأمان هذه. فقد زادت استحقاقات البطالة بصورة متواضعة، وتم تمديد أقصى مدة لها، وتم منح الولايات حافز مالي كبيرة لتوسيع نطاق المؤهلين للحصول على تلك الاستحقاقات. وتشمل الرزمة أيضا إعانات مؤقتة للمساعدة على دفع تكاليف التأمين الصحي للعمال الذين تم تسريحهم عن العمل. ومع ذلك، لا تزال المنافع ضئيلة.
ويعد الإسكان عبئا أكبر على التنقل الوظيفي في أمريكا. فنحو خمس العائلات الأمريكية التي أخذت قروض عقارية تدين بمبالغ أكبر من قيمة منازلها، ومن المتوقع أن تنخفض أسعار المنازل بصورة أكبر. ويمكن أن تقيد "الملكية السالبة" أصحاب المنازل، مما يصعّب الانتقال إلى وظيفة جديدة. وتشير دراسة جديدة إلى أن أصحاب المنازل ذوي الملكية السالبة أقل تنقلا بنسبة 50 في المائة من غيرهم.
وتحاول الحكومات الأوروبية جاهدة، حتى الآن على الأقل، تجنب أخطاء السبعينيات والثمانينيات. وكما يشير Stefano Scarpetta من منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن السياسات الحالية تهدف إلى إبقاء الناس في عملهم بدلا من تشجيعهم على الخروج من قوة العمل. وقد خفض عديد من الدول، من إسبانيا إلى السويد، مساهمات التأمين الاجتماعي مؤقتا لتقليص تكاليف العمل.
وتحاول مجموعة أكبر من الدول، بمن فيها النمسا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وهنغاريا وإيطاليا وإسبانيا، تشجيع الشركات على تقليص أسابيع العمل بدلا من تسريح العمال، عن طريق إكمال رواتب العمال على أساس ساعات أقل. فقد وضعت ألمانيا مثلا مخطط منذ وقت طويل يغطي 60 في المائة من الفجوة بين أجور الساعات الأقل وأجور الدوام الكامل لمدة تصل حتى ستة أشهر. وسهلت الحكومة أخيرا الوثائق المطلوبة وخفضت مساهمات التأمين الاجتماعي للعمال المتضررين وزادت الفترة القصوى لهذا المخطط إلى 18 شهرا.
وتبنت بريطانيا نهج مختلف. فبدلا من التدخل لإبقاء الناس في وظائفهم الحالية، ركزت على منع البطالة طويلة الأجل عن طريق رزمة إعانات لتشجيع أصحاب العمل على توظيف وتدريب الأشخاص العاطلين عن العمل منذ أكثر من ستة أشهر.
ومن بين حكومات جميع الدول الغنية، فشلت اليابان بصورة أكبر من غيرها. فبعد أن اضطرت لمواجهة الواقع البشع لسوق العمل فيها، تحاول تطبيق مزيج من السياسات. ففي العام الماضي، اقترحت حوافز ضريبية للشركات لتحويل العمال المؤقتين إلى عمال دائمين - محاولة غير مجدية حين تكون الأرباح شحيحة وفي الوقت الذي يتم فيه تقليل عدد الوظائف. واقترحت وزارة الزراعة إرسال العاطلين عن العمل إلى المناطق النائية عن المدن للعمل في المزارع ومصائد الأسماك. وكما يقول Naohiro Yashiro، الاقتصادي في الجامعة المسيحية الدولية في طوكيو، فإنه "على الرغم من أن العمال المؤقتين والعاملين بدوام جزئي منتشرين في كل مكان في اليابان، إلا أنه يعتقد أنهم يشكلون تهديدا على ممارسات التوظيف وأنه يجب احتواؤهم - مثلما يتم احتواء الإرهابيين".
وقد ظهرت أخيرا استراتيجية أكثر طموحا. فالحكومة تدرس تقصير فترة الحد الأدنى من العمل ليصبح العامل مؤهلا للحصول على منافع البطالة. وقد منحت العمال الذين تم تسريحهم من العمل أخيرا قروضا لمدة ستة أشهر للسكن ونفقات المعيشة. وتدفع المال أيضا لأصحاب الشركات الصغيرة لكي يظل الموظفين المطرودين في مساكن الشركة. وتقدم دعم لرواتب العمال الذين أخذوا إجازات إلزامية. وتدفع المال للشركات لإعادة توظيف الموظفين الذين طردتهم، وهي تقدم منح لأي شخص على استعداد ببدء نشاط تجاري جديد.
ويعتمد فيما إذا كانت تلك السياسات كافية على كيفية تقدم الانكماش. فهي أشبه بلاصقات الجروح التي يتم وضعها على أمل أن ينتهي الركود قريبا وأن تكون إعادة الهيكلة الصناعية التي تتبع ذلك متواضعة. فعلى سبيل المثال، تسهم إعانات أسابيع العمل الأقصر في دعم الطلب اليوم، إلا أنها تمنع إعادة تقديم الطلبات على المدى الطويل. وستصبح أوجه الإجحاف لسوق العمل المزدوج أكثر وضوحا كلما ارتفع معدل البطالة. ويبدو أن السياسيين يأملون حدوث الأفضل. وبالنظر إلى سرعة تدهور اقتصاداتهم، من الأفضل لهم التخطيط للأسوأ.