مناقشة مستقبل العولمة على نهر التايمز

مناقشة مستقبل العولمة على نهر التايمز
مناقشة مستقبل العولمة على نهر التايمز

في عام 1933، كتبت "الإيكونوميست" في منتصف التجمع الملحمي – الذي لم يؤت ثماره في النهاية - للقوى العالمية في لندن لمنع انتشار الحمائية خلال ذروة فترة الكساد العظيم: "مثل الملك تشارلز الثاني، يأخذ المؤتمر الاقتصادي وقتا طويلا لكي يموت". وقد استمر ذلك المؤتمر أكثر من شهر، في الوقت الذي كان فيه الدولار يغرق والغضب يتزايد كلما طال وقته.
وعلى الأقل، ليس هناك خطر انحراف دائم حين يجتمع قادة مجموعة العشرين في لندن الشهر المقبل لمناقشة أسوأ أزمة اقتصادية منذ الثلاثينيات. فقد حددوا لأنفسهم يوما واحدا فقط، هو الثاني من نيسان (أبريل)، لإنجاز ما فشل فيه أسلافهم في أسابيع: أي معالجة الأزمة والنظر في طرق إعادة تشكيل قواعد التمويل. وفي نهاية الأسبوع الماضي، قد يحاول وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية الذين يحضرون اجتماعا تحضيريا في لندن الحد من التوقعات. والأهم من ذلك، عليهم التعامل مع الشعور الحرج بالانقسام العابر للأطلسي الذي ظهر خلال فترة الاستعدادات للاجتماع.
#2#
وقد ظهرت التوترات في تجمع لوزراء المالية الأوروبيين في التاسع والعاشر من آذار (مارس). واستجاب الوزراء بصورة حادة لدعوة Lawrence Summers، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، بأن يركز الجميع في مجموعة العشرين على تعزيز الطلب العالمي. وقال Jean-Claude Jumcker، رئيس وزراء لوكسمبورغ ورئيس الاجتماع إن مثل هذه الدعوات "لا تروق لنا". ومن الأمور التي لم تساعد على تحقيق الانسجام الاقتباس عن أعلى موظف مدني لبريطانيا قوله إن نقص الموظفين في وزارة خزانة باراك أوباما التي تم تشكيلها قبل شهرين يجعل التحضيرات للقمة "صعبة بصورة لا تصدق". (يختلف تيم غيثنر، وزير الخزانة، مع هذا الرأي).
وفي الواقع، بدت التوترات أشبه بأعراض افتتاح مساومة من كونها انقساما كارثيا. فأجندة مجموعة العشرين تركز على ثلاثة مجالات رئيسية، هي حل الأزمة من خلال وسائل مالية ونقدية وعن طريق تشجيع البنوك على الإقراض؛ وإصلاحات تنظيمية متوسطة الأجل؛ وتقوية الهيئات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي بحيث تتمكن من تقديم مزيد من المساعدة للدول النامية المتضررة جراء الأزمة. فالجميع لديه أولويات مختلفة.
وتشعر أمريكا أن نظرائها لا يفعلون ما يكفي لتعزيز الطلب. فهي تريد أن يتعهدوا بتقديم حوافز مالية تعادل 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام والعام المقبل، وأن يرصد صندوق النقد الدولي امتثالهم لذلك. وتريد بعض الدول أيضا أن يستفيد البنك المركزي الأوروبي بشكل أفضل من أسلحته النقدية، كما فعل مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا. وقد فعلت أمريكا الكثير بالفعل لحفز النمو. إلا أن صندوق النقد الدولي يشير إلى أنه مع أخذ عوامل الاستقرار التلقائية بعين الاعتبار، مثل دفعات الرعاية الاجتماعية للعاطلين عن العمل، نجد أن الاستجابة المالية لألمانيا ليست أقل كثيرا من الاستجابة المالية لأمريكا. فألمانيا لا تعتقد فقط أن رزمة الإنفاق التي وضعتها كافية فحسب، بل تضغط من أجل عودة سريعة للميزانيات المتوازنة حين تنتهي الأزمة.
وعلى الرغم من ظهور الخلافات عبر الأطلسي حول السياسة المالية، إلا أن مثل تلك الخلافات أقل حدة بشأن التنظيم. فألمانيا وفرنسا تكافحان منذ وقت طويل لإقناع أمريكا وبريطانيا بتنظيم صناديق التحوّط، التي تتجمع في مراكز مالية في نيويورك ولندن. وأمريكا على استعداد الآن للموافقة على تنظيم الصناديق المهمة للنظام ككل.
ومنذ أن اجتمع قادة مجموعة العشرين للمرة الأولى في تشرين الثاني (نوفمبر)، كافح مندوبوهم لتنفيذ إصلاحات في النظام المالي العالمي المتضرر، خاصة عبر مجموعة منتدى الاستقرار المالي، وهي مجموعة في بازل التقت في لندن الأسبوع الماضي. وتلك إصلاحات ستؤثر على منظمي البنوك والمشرفين عليها وواضعي معايير المحاسبة فيها، وتغطي رواتب المصرفيين وتجارة المشتقات ووكالات التصنيف. وأمريكا الآن، التي تعلمت من حالات فشلها التنظيمية، أكثر تأييدا لوضع معايير تنظيمية عالمية منسقة وأكثر صرامة ولكن إلى حد معين فقط: هي غير متحمسة بشأن وضع معايير موحدة لرواتب المسؤولين التنفيذيين التي تضغط بريطانيا من أجلها.
إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يقترح منتدى الاستقرار المالي على مجموعة العشرين طرقا لجعل التنظيم المصرفي أقل عرضة للتقلبات الدورية، عن طريق وضع أحكام استباقية ضد القروض السيئة بدلا من طريقة "الخسائر المتكبدة" المستخدمة الآن - لكن ليس إلى حد يمكن للبنوك فيه استخدام هذه الأحكام للتلاعب بالإيرادات. وسيقترح إدراج نسبة رفع مالي في متطلبات رأس مال البنوك، لاستكمال ترجيح مخاطر الأصول الحالي. ويساعد كذلك على إنشاء هيئات إشرافية عابرة للحدود لتبادل المعلومات بشأن 30 بنكا عالميا.
وهناك تأييد عام لمضاعفة موارد صندوق النقد الدولي إلى 500 مليار دولار، إلا أن أمريكا تريد أن يكون أكثر من ذلك. ومن غير الواضح كيف سيتم تمويل الزيادة. ويمكن للدول الغنية بالاحتياطيات، مثل الصين، المساهمة بشكل أكبر، كما فعلت اليابان مع التعهد بدفع 100 مليار دولار في شباط (فبراير). إلا أن البعض يخشى أن يتم ربط هذه الأموال بشروط معينة، مثل تقليل الانتقادات الموجهة لسياسة سعر الصرف في الصين. وقد اقترح غيثنر أن تتم زيادة خط ائتمان صندوق النقد الدولي مع 26 دولة عضو غنية إلى 500 مليار دولار من 50 مليار دولار.
وستكون بعض المقايضات مدفوعة باعتبارات سياسية. فعلى سبيل المثال، يلقى الناخبون الفرنسيون والألمان بعض اللوم لهذه الأزمة على صناديق التحوّط والملاذات الضريبية، مع أن كليهما لعب أدوارا ثانوية مقارنة بالنظام المصرفي الذي يحكمه كثير من القوانين. وبصورة مماثلة، يضغط غيثنر من أجل وضع معايير رأس مال عالمية أعلى للشركات المالية غير المصرفية (مثل المجموعة الأمريكية الدولية، وهي شركة تأمين كبيرة)، لطمأنة دافعي الضرائب بأن هذا النوع من الأزمات وما صاحبها من عمليات إنقاذ لن تتكرر.
ونظرا لأهمية القمة لسمعة جوردن براون، مضيف القمة البريطاني، ولأوباما، في أول رحلة خارجية له منذ توليه المنصب، سيتم بذل جميع الجهود الممكنة لإعلان التوصل إلى مثل هذا التقدم. ولا يتوقع الكثيرون فشلها على غرار الفشل الذي حدث عام 1933، مع أن المشاركين يعتقدون أنه بالنظر إلى التوترات التي ظهرت هذا الأسبوع، من المرجح أن يتم تضييق الخلافات بدلا من التوصل إلى "صفقة كبرى" لإعادة العالم إلى المسار الصحيح.
وأفضل ما يمكن أن تسفر عنه القمة هو دليل على أن قادة أكبر اقتصادات العالم لا يزالون يتحدثون مع بعضهم بعضا. وبالنظر إلى مدى إلحاح الوضع، ورأس المال الضخم الذي لا يزال أوباما يمتلكه في الخارج، ربما كان العالم يأمل بأكثر من ذلك. فالكلام رخيص، مثل الكثير غيره في هذه الأزمة المالية.

الأكثر قراءة