مضاعفة الجريمة
بالنظر إلى تاريخ المعاملة الوحشية لشعب دارفور من قبل الحكومة السودانية، كان من المتوقع حدوث رد فعل سلبي على توجيه الاتهام للرئيس عمر البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية - ولكن لم يكن من المتوقع أن يكون رد الفعل بهذا السوء. فقد تم طرد عشرات وكالات المعونات الدولية الرئيسية وبعض الوكالات المحلية فورا من دارفور، وتم طرد الكثير من الدولة تماما؛ وتمت مرافقة الموظفين دون مراسم إلى الطائرات التي تنتظرهم في حين تمت مصادرة كمبيوتراتهم وملفاتهم والكثير غير ذلك من قبل السلطات. تم إنذار وكالات المعونات المتبقية، وقد تكون التالية.
وكانت المنظمات غير الحكومية التي تم طردها من السودان توفر كثير من الأغذية والمياه والدواء إلى اللاجئين البالغ عددهم 2.75 مليون شخص الذين يعيشون في مخيمات مؤقتة في دارفور. وبالتالي فإن هذه الخطوة تعد قبل كل شيء ضربة قوية لشريان الحياة الإنسانية الضعيف الذي يبقي الضحايا البؤساء للنزاع في دافور على قيد الحياة. ووفقا لبعض التقديرات، كانت المنظمات غير الحكومية التي تم طردها تسهم بنسبة 80 في المائة من العمال الذين كانوا يوزعون مساعدات برنامج الأغذية العالمي في دارفور - الأشخاص الذين كانوا يقدمون الغذاء فعلا إلى اللاجئين في المخيمات. كما كانوا يحافظون على الآبار ومضخات المياه في المخيمات. فبدون وجود مياه نظيفة، قد تنتشر الأمراض بسرعة كبيرة. وقد انتشر بالفعل التهاب السحايا في أحد المخيمات.
ولم تقدم الحكومة السودانية تفسير رسمي لطرد الوكالات، ولكنها قدمت مزاعم زائفة بأن كل وكالات المعونات تلك كانت متورطة في مؤامرة لتقديم أدلة للمحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة البشير وأعوانه. والأهم من ذلك هو أنه من الواضح أنه ليس لدى الحكومة السودانية خطة دعم لاستبدال الخدمات الحيوية التي كانت المنظمات غير الحكومية تقدمها. ومع أنه من الواضح أنه تم التخطيط لعمليات الطرد بعناية مسبقا، إلا أنه من الواضح أيضا أنه لم يتم التفكير بمن سيقوم بمهام العمال الذين تم طردهم. وهذا يجعل هذه الخطوة أكثر قساوة. وكالعادة، فإن أهل دارفور هم الذين سيتحملون وطأة انتقام الحكومة.
ومنذ عام 2003، توفي نحو 300 ألف شخص نتيجة للقتال في دارفور. وقبل أن يموت المزيد، يجب على العالم الضغط بقوة لجعل السودان تعدل عن قرارها. وعلى الأقل، يجب الضغط على البشير للسماح بإعادة توظيف المواطنين السودانيين، الذين يقارب عددهم ألفي شخص والذين عملوا لدى وكالات المعونات التي تم طردها، من قبل المنظمات غير الحكومية الأصغر التي لا تزال هناك. فالخبرة قد تنقذ حياة الآلاف من شعب دارفور. وإذا لم تفعل الحكومة شيئا، وتسببت بالتالي في مزيد من الوفيات، فيجب إضافتهم إلى لائحة اتهام البشير.
لا يكفي أن نقول فقط "يجب"
ومع ذلك، فإن موقف عديد من الدول خلال الأسبوع قبل الماضي على توجيه الاتهامات من قبل المحكمة الجنائية الدولية كان أسوأ من كونه مخيبا للآمال. فقد عبر كثير منها عن استيائها من قرار المحكمة الجنائية الدولية ولم تقل شيئا بعد عن طرد وكالات المعونات. فقد منعت الصين، إحدى الدول الرئيسية الداعمة للسودان منذ وقت طويل، حتى صدور بيان صحفي من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإدانة حكومة البشير على هذه الخطوة. وتقول هذه الدول إنها تريد أن يؤجل مجلس الأمن اتهام المحكمة الجنائية الدولية، على أساس أن السعي لتحقيق العدالة ضد البشير سيزعج "عملية السلام" في دارفور. وكان من الممكن أن تكون تلك حجة معقولة لو كان هناك بالفعل عملية سلام حقيقية جارية سيعرضها الاتهام للخطر. إلا أن البشير أفرغ هذه العملية من أي معنى منذ وقت طويل. وحكومته لم تفعل شيئا لتقديم المتهمين بالقتل الجماعي للعدالة. وفي ظل هذه الظروف، أصبحت المحكمة الجنائية الدولية الملاذ الأخير.
ويشتكي البشير بغضب أن المحكمة الجنائية الدولية هي سلاح "استعماري جديد" غربي مناسب لبعض الحكومات الإفريقية وعديد من القادة العرب وإيران. ولكن لم تحشد جميع الدول الإفريقية الدعم له. فسيراليون مثلا، التي عانت الأهوال مثل تلك التي تعرضت لها دارفور، أصبحت مدافعة قوية عن العدالة وتؤمن بشدة بالدور الذي يجب أن تضطلع به لإنهاء النزاعات. واشتركت معظم الحكومات الإفريقية في آلية "مراجعة النظراء" التي تدعوها للحكم على سجلات حقوق الإنسان لبعضها البعض. إلا أن القليل منها فقط، للأسف، تأخذ هذا على محمل الجد.
ويحظى قرار المحكمة بمزيد من الدعم من الناس العاديين. فأهل دارفور أنفسهم يدركون جيدا كيف يمكن عقابهم إذا دعموا المحكمة الجنائية الدولية؛ ولكن على الرغم من اتهام اثنين من القادة المتمردين الدارفوريين مع أعضاء الحكومة في الخرطوم، من الصعب إيجاد معارضين لقرار المحكمة باستثناء بعض المؤيدين العرب للبشير في المدن الرئيسية. فالعدالة مهمة حتى بالنسبة – وربما بصورة خاصة - للأشخاص الذين لا يملكون شيئا.
وبما أن البشير ضاعف الآن جريمته الأصلية، من المهم بصورة خاصة وضعه الآن في قفص الاتهام. ولجلبه إلى هناك، يجب على الدول التي تؤمن بالعدالة ممارسة ثقلها السياسي لاتهامه. ومن المحتوم أن تهاجم بعض حكومات الدول الفقيرة هذا وتصفه بأنه "الاستعمار الجديد"، وذلك بسبب خوفها من أن يتم يوما ما مساءلتها على أعمالها. وهذا أمر مؤسف جدا.