الشراكة الأكاديمية الصناعية
كنت قد كتبت عدة مقالات في "الاقتصادية" خلال الأعوام الثلاثة الماضية عن الجهد الذي تبذله بشكل متواصل مؤسسات التعليم العالي في العالم الغربي، وبالذات في الولايات المتحدة، لتنمية دخلها من مصادر غير تلك التقليدية المألوفة كالرسوم الدراسية أو المخصصات الحكومية. وتناولت في تلك المقالات دور الأوقاف في تمويل تلك المؤسسات والنجاح الذي حققته في تلك السبيل جامعات عدة وعلى رأسها جامعة "هارفارد" التي بات حجم أوقافها وإدارتها مضرب المثل. وما يسر الخاطر أن ذلك الدور المؤثر للأوقاف بدأنا نشاهده في الآونة الأخيرة في بعض جامعاتنا، وفي مقدمتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، جامعة الملك سعود، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن.
هناك مصادر دخل أخرى، إلى جانب الأوقاف، ذات تأثير في حيوية الجامعات وقدرتها على مواصلة رسالتها. من بين تلك المصادر تمويل البحوث العلمية Sponsored Research عبر آليات متنوعة، عدا الكراسي الوقفية، ذات وجوه عدة بعضها قصير الأمد والآخر متوسط أو طويل الأمد. والشائع في هذا السياق الوجه الأول, أي تمويل موضوع بحثي محدد بتكلفة يتفق عليها مسبقا ولمدة لا تتجاوز عادة خمس سنوات, وهي تمثل متوسط الفترة التي يقضيها طالب مرحلة الدكتوراة للحصول على شهادته. بينما الاتفاقات ذات الآجال الطويلة فهي أقل شيوعا وتعد عادة على الأصابع، إذ إنها تشكل شراكة استراتيجية بين الجامعة وشركات متميزة من القطاع الخاص.
في ذلك السياق من الشراكات الاستراتيجية ما نشرته قبل نحو أسبوعين الصحافة المحلية عن الخطوة التي خطتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لدعم برامج البحث العلمي التي ستنطلق في رحابها عما قريب ـ بإذن الله ـ إذ أبرمت اتفاقية مع شركة عبد اللطيف جميل، كأول عضو مؤسس في برنامج الجامعة للتعاون مع الشركات الصناعية، توفر لطلاب الجامعة فرص عمل بعد التخرج ومصادر تمويل لأبحاثهم, إضافة لما تقدمه الجامعة أثناء مرحلة دراساتهم العليا. كما يوفر البرنامج قنوات للتعاون مع أعضاء هيئة التدريس في الجامعة في مجال البحوث. تلك الاتفاقية من المؤمل أن تحقق منافع للطرفين والمجتمع بشكل عام، إذ إنها ستمهد الطريق أمام الكثير من الشركات الأخرى لمحاكاتها ومن ثم الإفادة من القدرات الضخمة التي بدأت تبنيها الجامعة في مجال البحث العلمي، وفي المقابل سيجد الباحثون أمامهم خيارات عدة من الموضوعات والقضايا التي تستحق البحث والتطوير خدمة للسوق والمجتمع السعودي.
ليست كل الجامعات بالطبع تشكل بيئة جاذبة لمثل تلك الشراكات، بل لا بد أن تتوافر لديها مختبرات ومعامل راقية بالمقاييس العالمية، وقبل ذلك العقول القادرة على توظيف تلك الإمكانات المادية في عمل جاد وبدرجة عالية من الكفاية. وهذه المقولة لا تصدق فقط على مجتمعاتنا العربية، بل تسري حتى على الجامعات المعروفة في الولايات المتحدة. ولعل ذلك ما يفسر أن جامعة صغيرة نسبيا من حيث عدد طلابها كجامعة MIT تستأثر بحصة كبيرة من الأموال التي تخصصها الشركات الصناعية والمؤسسات الحكومية للبحث العلمي في الجامعات على المستوى الوطني. وذلك يفسر أيضا أن 73 من منسوبي تلك الجامعة حاليا وسابقا نالوا جائزة نوبل.
إن نجاح الشراكات الاستراتيجية بين الجامعات والشركات الصناعية يتطلب جهدا لا يستهان به، إذ لا بد من وضع آلية لمتابعة تنفيذ الطرفين لالتزاماتهما، فعلى سبيل المثال لا بد للشركة من توظيف فريق متفرغ لتلك المهمة يتناسب حجمه مع حجم الشراكة، تدعمه مشاركة منتظمة من القيادات العليا في الشركة. أما من جانب الجامعة فينبغي ضبط وتيرة تلك الشراكات بشكل لا يؤثر في رسالتها الأساس, كما لا يطغى على أبحاثها المستقلة. وقد تكون الخطوة الأولى في ذلك الضبط حسن اختيار الشركاء الاستراتيجيين, وهذا يبدو ما صنعته جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية.
إن ما يجري في جامعاتنا اليوم وكذلك ما يجري في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية من حراك للنهوض بالبحث العلمي أمر يدعو للتفاؤل بما هو قادم في المستقبل ـ بإذن الله ـ وإن غدا لناظره قريب.