رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


زمن تبخر الثروات الخاصة ونظام العدالة الاجتماعية

خسر وارن بوفيت خلال عام واحد نحو 25 مليار دولار من ثروته أما بيل جيتس فقد خسر 18 مليار دولار ووصل مجموع خسائر أغنياء روسيا الاتحادية لنحو 370 مليار دولار لكن رجل الأعمال الهندي إنيل أمباني كان من أكبر الخاسرين فقد تراجعت ثروته من 31.9 مليار إلى 10.1 مليار وبلغت خسائر جميع المسجلين في قائمة فوربس لأغنياء العالم نحو ألفي مليار دولار خلال عام واحد مع العلم أن عددهم يزيد قليلا عن الألف فقط، ومعظم تلك الخسائر لا تعد حقيقية لأنها نتجت في الأساس عن تراجع كبير في أسعار الأسهم التي يمتلكونها بسبب الانخفاض الحاد الذي أصاب البورصات العالمية، لكنها مؤشر على تصحيح قوي في مؤشر الثروات الخاصة إن جاز لي التعبير.
الأزمة التي أصابت العالم لم يتأثر بها أغنياء العالم رغم تلك الخسائر الباهظة التي تكبدوها فما زالوا يمتلكون المليارات ويعيشون في القصور ويمتلكون اليخوت والمنتجعات ويلبسون من أكبر وأشهر الماركات العالمية ، إضافة إلى أن الأغنياء في جميع دول العالم محدودو العدد ولا يتجاوزون 800 حسب تقرير مجلة "فوربس" الأخير، لكن أكثر من تأثر بالأزمة هي الطبقة المتوسطة المتعلمة التي فقد معظم أفرادها في جميع دول العالم مدخراتهم وأصبحوا اليوم في عداد الفقراء أو على حدود طبقة الفقر ، وهم بالمناسبة أكثر الطبقات عددا وتصل نسبتهم إلى 70 في المائة في المجتمعات المتقدمة.
إذا تأثرت مداخيل ومدخرات الطبقة المتوسطة سلبا فإن ذلك من شأنه أن يعوق نمو الطلب على السلع والخدمات أو أن يخفضه كما يحدث اليوم في كثير من الدول الغربية، وإذا علمنا أن عدد تلك الطبقة كبير فإن التأثير الذي قد تحدثه فيهم سيكون كبيرا أيضا ومثله في الاقتصاد الكلي في دولهم والاقتصاد العالمي كذلك.
الطبقة المتوسطة لدينا خسرت منذ ثلاث سنوات معظم مدخراتها وأصبح معظم أفرادها مدينين للبنوك حتى اليوم ووصلت خسائر سوق الأسهم منذ بدأ الانهيار وحتى اليوم إلى مئات المليارات من الريالات، كما أن أفراد الطبقة المتوسطة في دول الخليج هم كذلك يعدون من أكثر الخاسرين جراء الأزمة.
لا يمكن التعويل على نظام مالي عالمي فاسد ومليء بالثغرات في إصلاح ما حدث، وربما أن الغرب يدرك اليوم أن ما أصابه لم يكن بسبب مبادئ الرأسمالية بل بسبب الإمعان في ابتكار أدوات استثمارية وهمية عالية المخاطر ولا تفيد أحدا سوى فئات محدودة وعلى رأسهم كبار التنفيذيين في المؤسسات المالية الخاصة.
لن يتأثر العالم جراء هبوط ثروة وارن بوفيت أو بيل جيتس فهم لا يزالون يمتلكون العشرات من المليارات وخسائرهم لا تزال على الورق وغير حقيقية، لكن العالم سيتأثر حتما إذا ما أفلس مئات الملايين من البشر ممن كانوا يحسبون على الطبقة المتوسطة ويحركون سوق الطلب على السلع والخدمات التي تقدمها شركات وران بوفيت وبيل جيتس وغيرهم من أثرياء العالم، وهنا تكمن المشكلة ويكمن الحل أيضا.
العدالة الاجتماعية تعد من أهم مقومات الاستقرار في أي مجتمع، وعندما تختل موازينها فإن هذا مؤشر على بداية الانحدار وعدم الاستقرار، وإلا كيف نفسر ما حدث في دول أوروبا الشرقية وما يحدث من مشكلات في بعض الدول الإفريقية، وأحد أهم أسباب اختلال العدالة هو الأنظمة التي تساعد على الاحتكار والإثراء غير المشروع والجشع، وعندما تفتقد العدالة الاجتماعية تظهر فئة غنية جدا وفئة فقيرة وتتلاشى الطبقة المتوسطة أو يحدث انخفاض كبير في عددها قياسا بعدد السكان وهذا يمكن ملاحظته في روسيا الاتحادية التي خسر عدد محدود من مواطنيها الأثرياء نحو 370 مليار دولار جراء الأزمة في وقت يعيش فيه معظم السكان على الكفاف وبعضهم تحت خط الفقر.
لا يمكن للنظام المالي العالمي أو الأنظمة ذات العلاقة والمعمول بها في جميع دول العالم كلا على حدة أن تستمر بعد الأزمة فهي تحتاج إلى تعديلات جذرية تضبط الممارسات وتهذب المعاملات وتقف أمام ضغوط الأغنياء الذين يطمحون ويعملون بشكل دائم لتعظيم ثرواتهم على حساب مجتمعات كاملة، فالنظام الرأسمالي لا يعني ترك الحبل على الغارب للمتنفذين في الاقتصاد دون رقابة وضبط وإذا ما حدث ذلك فإن أنيابه ستنمو كما حدث طوال السنوات الماضية وسيغرسها في خاصرة الجميع كما يحدث هذه الأيام.
عندما تتعاظم الثروات الخاصة بشكل كبير وغير طبيعي ويرتفع عدد الأغنياء فهذا مؤشر على اختلال في النظام الاجتماعي ومثله الارتفاع في أعداد الطبقة الفقيرة ، وهذه المؤشرات ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار من قبل المخططين والأنظمة الحاكمة قبل حدوث الكوارث سواء كانت اقتصادية كما يحدث اليوم أو سياسية وأمنية كما يتوقع أن يحدث لو طالت هذه الأزمة لسنوات قليلة فقط .

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي