رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


المصرفية الإسلامية ومواجهة الأزمات

كثيرا ما تتم مناقشة كيف يمكن للمصرفية الإسلامية اليوم الاستفادة من الأزمة المالية العالمية والدخول بشكل قوي في منافسة المصرفية التقليدية المبنية على النظام الرأسمالي؟ وهذه الأطروحات تعتمد في عرضها على التفاؤل الكبير أن المصرفية الإسلامية ستكون محط أنظار العالم خصوصا بعد كثير من الكتابات على مستوى الصحف العالمية خصوصا في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، التي تعتبر الدول التي تقود الرأسمالية اليوم، وهذه فرصة قد لا تتكرر كثيرا للمؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة.
والسؤال هنا هل فعلا المصارف الإسلامية لم تتأثر تماما بالأزمة؟ ثم ما العوامل التي تجعل من النظام المالي الإسلامي قادرا على مواجهة الأزمات؟ ثم هل المصرفية الإسلامية اليوم قادرة على الدخول بقوة ومنافسة المصرفية التقليدية؟
أما ما يتعلق بتأثر المصرفية الإسلامية بالأزمة العالمية، فإن هذه الأزمة يمكن أن نقول إنها أتت على الأخضر واليابس فلم تدع قطاعا من القطاعات الاقتصادية إلا وأثرت فيه خصوصا قطاع المؤسسات المالية سواء التقليدية أو المتوافق منها مع الشريعة، بدليل نتائج أرباح الربع الرابع من العام الماضي لمثل بنك دبي الإسلامي، وغيره من البنوك، إلا أن الواضح أن المؤسسات المالية المتوافقة مع الشريعة أقل تأثرا بالأزمة المالية العالمية إذا ما قورن ذلك بما حصل للمؤسسات التقليدية.
أما فيما يتعلق باحتمال مواجهة الاقتصاد الإسلامي للأزمات فإن هذا وارد تماما والذي يقرأ التاريخ يجد أن ذلك واضحا في تاريخ الدول الإسلامية فالتاريخ الإسلامي لا يشهد دائما اقتصادا مستقرا ليس فيه أي تذبذبات، بل إنه أحيانا تمر على المسلمين أزمات قد لا يجد الشخص حينها ما يستطيع به إطعام نفسه أو أولاده.
ولكن مما يميز المعاملات المالية المتوافقة مع الشريعة والتي ستكون محل تركيز هذا المقال هو أن هذه المعاملات تتميز بعدم التعقيد والتسلسل للتأثير في قطاعات أخرى، فمثلا نجد أن الشريعة الإسلامية وإن كانت أجازت القرض وبيع المؤجل أو التقسيط مع زيادة في السعر مقابل الأجل – بناء على رأي الأغلب من الفقهاء – إلا أن الشريعة الإسلامية لا تقبل أن هذا الدين يتزايد بمعنى أنه وإن كان يمكن للبائع في بداية العقد أن يزيد في سعر السلعة إلا أنه لا يمكنه فيما لو تأخر العميل في السداد أن يزيد في قيمة الدين بعد ذلك، والأمر كذلك في القرض، وأثر ذلك أن الأزمة تقف عند حد معين لا يمكن أن تتضاعف على المدين بحيث لا يتمكن أبدا من السداد ويكون مديونا طوال حياته وبالتالي سيؤثر ذلك في الدائن إذ إنه هو بالتالي لا يتمكن من الحصول على الدين.
كما أن أحكام القرض في الشريعة الإسلامية لا تحفز المقرض على الإقراض وذلك لأنه لا يحصل على عائد دنيوي في الغالب إلا إذا كان الدافع له هو الأجر والثواب من الله وبالنسبة للمقترض فإن القرض غير محبذ له بغير حاجة خصوصا الذي يعلم من نفسه عدم القدرة على السداد لأن الدين التزام قد يكون من الصعب أداؤه وكان النبي، صلى الله عليه وسلم، يستعيذ من الدين. كما نجد أن الشريعة الإسلامية أيضا تحرم بيع الديون.
ونحن نلاحظ اليوم أن من أهم أسباب الأزمة هي الديون، وليست المسألة تتعلق بالديون فقط بل إن هذه المعاملات تسببت في تسلسل الأزمة فبعد أن كانت الأزمة مرتبطة فقط بالرهن العقاري نجد أنها تجاوزت القطاع المالي إلى قطاعات أخرى مثل السيارات وغيرها.
ولعل المسألة مرتبطة بما سبق ذكره من الأحكام الشرعية فلو نظرنا إلى قطاع السيارات فإن الأزمة المالية تسببت في عد توافر التمويل المطلوب لشركات السيارات، والقروض السابقة التي تتزايد مع كل تأخير تجعل من عبء سدادها صعب جدا مما يجعل الأزمة تتواصل.
كما أن اعتماد هذا القطاع على أن كثيرا من العملاء يعتمدون في شرائهم هذه المنتجات على القروض التي كانت المؤسسات المالية تقدم جميع التسهيلات والعروض لتحفيز الأفراد على أخذها لشراء السيارات أو غيرها، ومع شح السيولة لدى المصارف أصبحت هذه العروض والتسهيلات تقل وهذا سيكون له أثر في انخفاض المبيعات، وهذا المثال يمكن أن ينطبق على قطاعات أخرى.
ويبقى السؤال الآخر وهو هل المصرفية الإسلامية اليوم قادرة على الدخول بقوة ومنافسة المصرفية التقليدية؟
هذا سؤال مهم لا بد أن يكون محل اهتمام كل من له علاقة بالمصرفية الإسلامية، وذلك أن هذه الفرصة قد لا تتكرر إذ إن العالم اليوم أكثر تقبلا لأي طرح جديد وإن كان لا يتوافق مع طرح النظرية الرأسمالية إذ إن التشكيك في هذه النظرية أصبح اليوم أكبر من أي وقت مضى، والملاحظ أن أطروحة المصرفية الإسلامية أصبحت محل اهتمام دولة مثل فرنسا وهي دولة لم تكن في السابق تهتم بالمصرفية الإسلامية.
ولكن لا يمكن أبدا تقديم المصرفية الإسلامية بتطبيقاتها الحالية إذ إن كثيرا من تلك التطبيقات في نظر الماليين لا تختلف كثيرا عن النموذج التقليدي وإن كانت بشكل عام متوافقة مع الشريعة بناء على أقوال عديد من الفقهاء.
ولذلك ينبغي أن تكون هناك أطروحات عملية لنماذج تحقق الأهداف العامة للاقتصاد الإسلامي كالتنمية وتوفير فرص عمل والاستفادة مما أودعه الله، سبحانه وتعالى، في هذه الأرض من ثروات.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي