رسالة مع التحية إلى المؤتمر الدولي الثالث للإعاقة والتأهيل
برعاية الأمير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد ستنطلق فعاليات المؤتمر الدولي الثالث للإعاقة والتأهيل الذي ستحتضنه الرياض خلال الفترة من 22 إلى 26 آذار (مارس) 2009, وذلك بتنظيم جمعية الأمير سلمان لأبحاث الإعاقة ومشاركة مؤسسة سلطان بن عبد العزيز آل سعود الخيرية وجمعية الأطفال المعوقين. قد لا يسعفني التخصص كثيرا للمشاركة في محاور المؤتمر لذا فإن هذا المقال يعد مشاركة بسيطة في هذه التظاهرة المهمة جدا. الإعاقة قضية إنسانية ليست محصورة بدين أو سياسة أو مدرسة فكرية أو فئة اجتماعية أو علمية. قضية الإعاقة ليست ترفا فكريا وليست موضوعا للنخبة بل هي هم اجتماعي كبير وخطير.
أتذكر أول انطباعاتي عن المجتمع البريطاني مع أول مشاهداتي له حيث ظهر لي اعتقاد مضحك أن نصف المجتمع البريطاني هم من المعوقين. لا عجب في مثل هذا التصور إذا علمت أنك سترى المعوقين في كل مكان، في أروقة الجامعة وردهات الكليات في الأسواق والمكاتب ومناطق العمل حتى الخطرة منها (ورش صيانة سيارات). كنت أرى تجهيزات للمعوق في جميع المحال تقريبا حتى القديمة منها. كان هناك تعامل جدي مع هذه الفئة من المجتمع، حيث ينظر إليهم كعمال منتجين لهم حقوق وعليهم التزامات تجاه مجتمعاتهم. عندما عدت إلى أرض الوطن لم أر المعوقين فبدأت أتساءل هل عدد المعوقين لدينا محدود جدا لدرجة أننا لا نستطيع أن نلمس وجودهم من حولنا؟ أم أن لدينا خللا فكريا خطيرا تجاههم. كم معوقا تراه في جامعة تضم عشرات الآلاف من الطلاب، وحتى إن وجدوا فاسألهم عن معاناتهم للوصول إلى قاعات الدرس وإذا تجرأت فاسألهم كيف تم قبولهم وفي أي تخصص ولا تعجب من الإجابات. كم معوقا نراه في الأسواق؟ وإذا كنت تبحث عن أصعب الأسئلة فاسأل أين المعوقات منهم؟ وإذا كنت تريد التحدي فسوف أسألك عزيزي القارئ إذا لديك أم أو أخت أو ابنه معوقة فهل ستأخذها إلى السوق لتقوم هي باختيار ما ترغبه؟ هل ستأخذها للتنزه هنا أو هناك؟ للإجابة عن هذه التساؤلات فإن مؤتمرا دوليا يعد بهذا الخصوص هو فعل حضاري بكل ما في هذه الكلمة من معنى والمشاركة في هذا المؤتمر سواء بالحضور أو الدعم أو حتى مجرد مقالة تعد واجبا وطنيا لابد منه.
لقد أثبت المعوق أنه عنصر فعال في المجتمع وقادر على العطاء بجد وجهد لا يقل بأي حال عن نظيره. والتجارب التي تظهر لنا بين الفينة والأخرى تؤكد هذه الانطباعات. وبرغم أن هناك متابعة واسعة جدا لمؤشرات البطالة في المجتمع فإن الأسئلة عن حجم البطالة في فئة المعوقين تبقى دون إجابة؟ إن المعلومات، مجرد المعلومات، عن هذه الفئة لدينا محدودة جدا ومصادرها محدودة أيضا وما ذلك إلا لقلة دعم البحث العلمي الموجه لهذه الفئة. هذه الندرة النسبية للعمل الأكاديمي والبحثي في مجال الإعاقة جعل المجتمع يعيش في إشكالية تعريف الإعاقة وفهمها. كتبت في مقال سابق أن المعوق هو معوق الفكر فقط، معوق النظرة العميقة للأشياء. إن أخطر الإعاقات التي علينا مواجهتها هي البيئة المعوقة. بيئة تفشل في فهم معنى التعوق لذلك تعوق كل ما هو منتج بدعاوى غير مفهومة. بيئة تدعي زورا أنها تدعم المواهب بينما تفشل في تعريف الموهوب لذلك تتجاهله عندما يكون مأسورا في قيود الجسد. إن خطر البيئة التي تفشل في تعريف المعوق لا يمكن وصفه لأنها بيئة لا ترى من يدمر منجزات الوطن وأمنه ويتسكع في الطرقات معوقا. لذا فنحن في حاجة إلى مواجهة إرهاب البيئة المعيقة لكل ما هو فكر نير وموهبة حقيقية تحت مبررات يصعب علينا فهما ومحرمة مجادلتها، مبررات تستند إلى عادات قبلية تتدثر باسم الدين أحيانا وباسم قيم المجتمع وعاداته أحيانا أخرى.
وإذا كان المؤتمر سيناقش قضايا الإعاقة فإنه لم يغفل المحور الثاني وهو التأهيل. ومرة أخرى فإنني أعتقد أن البيئة التي يعيش فيها المعوق تحتاج أيضا إلى تأهيل. قد يكون المعوق مؤهلا فعلا على الأقل نفسيا فهو متقبل لوضعه وهذا هو حال معظم من ابتلي بالإعاقة إلا أن المجتمع الذي يحيا معه هو الذي يفتقد إلى التأهيل، لذلك فإن مناقشة التأهيل يجب ألا تتناسى تأهيل المجتمع ليتعامل مع هذه الفئة التي تعد جزءا لا يتجزأ منه. لكن هذا الأمر لن يكون موكلا على مؤتمر واحد أو حتى عدة مؤتمرات بل ليس هو جهد البحث العلمي المقنن المأسور في قوالبه ولكنه جهد كل قلم وكل منبر وكل خطبة جمعة هو مجهود كل المجتمع لتطوير وتأهيل ذاته ليتحضر كما أمر ديننا الحنيف.