رياض الأطفال .. نموذج مثالي لتطوير التعليم
إن حقيقة نجاحات الكثيرين من الطلاب في المراحل المتقدمة من التعليم تعود لعمق تأسيسهم وتشربهم القيم وتجذرها داخل نفوسهم وتنشئتهم على التفكير الايجابي والنقدي وبناء شخصياتهم وتأكيد ثقتهم بأنفسهم وإلى الأسلوب التعليمي المميز في رياض الأطفال، الذي يهدف لتطوير مهارة التعلم والتفكير، وليس الاعتماد على الحفظ والتلقين وحشو ذهن الطالب أو الطالبة بالمعلومات دون أن يعرف معناها وأهميتها. في فصولها الدراسية تلحظ التنوع والتجديد والألوان والأشكال وكل ما يلفت انتباه وحواس الطالب ليستثيره ويدفعه نحو التعلم واستكشاف الأشياء من حوله. إنها الدافعية الداخلية نحو التعلم من أجل المعرفة التي تقود للإجابة عن الأسئلة والبحث عن الحلول والبدائل والتفكير الإبداعي. فيدربون الطالب والطالبة على التفكير بأسلوب شائق وممتع، فينمو الطالب محبا هاويا مندفعا نحو التعلم. إنه تعليمهم كيف يتعلمون! لأن التعلم عملية مستمرة ليست محدودة بالمكان ولا الزمان. هذه الفلسفة في التعليم هو ما نحتاج إليه إذا ما أردنا أن نرتقي بالتعليم وتحقيق أهدافنا التنموية. لم يعد بالإمكان الاستمرار في التركيز على قياس السلوكيات الظاهرة للتعلم وتحفيز الطلاب والطالبات خارجيا بحيث يكون هم الطالب الحصول على الدرجة فقط دون السعي لاستيعاب المعلومات من أجل المعرفة وسعة الأفق وفهم المتغيرات وما يدور حوله من أحداث ومستجدات. إن ما نعاني منه في قطاع التعليم من تردي مستوى كثير من الخريجين يعود في الأساس إلى فلسفة التعليم ورؤيتنا وفهمنا الخاطئ للهدف من التعليم من حيث إنه وسيلة للحصول على وظيفة ومتطلب للاحترام والتقدير الاجتماعي. من هنا كان التركيز على درجات الامتحانات وقياس حجم المعلومات وليس القدرة على التفكير والتحليل والربط بين المتغيرات، وبالتالي ينجرف الطلاب نحو الاهتمام بحفظ المعلومات عن ظهر قلب من أجل الحصول على أكبر درجة ممكنة ولا شيء آخر. إن هذا الفهم الخاطئ هو ما يفسر الإصرار على أسلوب التلقين كمنهج للتعليم في مدارسنا وجامعاتنا وفي الوقت ذاته يجعل المعلومات غريبة عن ذات الطالب لا يربطه بها سوى توجيهات المدرسين، فيحفظ دون أن يعلم المعنى الحقيقي فيتوقف التفكير والتأمل ويتحول الطالب إلى آلة تسجيل للمعلومات يفرغ ذلك في ورقة الامتحان. ولِمَ لا؟! فأسئلة الامتحانات تعد بطريقة تتطلب مثل تلك المعلومات الوصفية النصية، وليست أسئلة ذهنية تقيس مهارات الطالب التحليلية والإبداعية. إن تعليم الطالب كيف يتعلم ويستوعب المتغيرات ويفهم المستجدات ومهارة اتخاذ القرارات يبقى معه مدى الحياة تساعده على تعلم أشياء جديدة وفهمها بعكس تلك التي اعتمدت على التلقين، فهي لا تلبث أن تتلاشى وتتبخر مع مرور الزمن إن لم يكن لحظة انتهاء الامتحان! وهكذا ندخل في دوامة التعليم وليس التعلم، فنفقد المعنى الحقيقي من العملية التعليمية برمتها وتتحول إلى وظيفة لا تستند إلى معايير تربوية مهنية فيتقلدها (مع الأسف الشديد) من لا يستطيعها ولا يستحقها، بل لا يمت لها بصلة لا من قريب ولا بعيد . إن ما علينا إدراكه هو أن المهمة الرئيسة للتعليم هي إحداث تغيير في فكر وميول وسلوك الطلاب. إذا لم يحدث ذلك فهناك بكل تأكيد خطأ ما قد حدث في العملية التعليمية. إن إحداث التغييرات المطلوبة لا يتأتى إلا من خلال طرق تعليمية تعزز ثقة الطالب بنفسه وترتقي بقدراته الذهنية والفكرية. وجوهر تحقيق ذلك يكمن في احترام الطالب وتقديره وإتاحة الفرصة كاملة للتعبير عن أفكاره وأحاسيسه في بيئة مشبعة بالحب والأمان. إن الوضع المأساوي الذي يعيشه أبناؤنا وبناتنا في المدارس مرده التوقعات المتدنية والنظرة الدونية التي يحملها بعض المدرسين والمدرسات عن عقول وتفكير وسلوك الطلاب والطالبات والتعامل معهم من هذا المنطلق. إن هذه التوقعات التي مبدؤها سوء الظن من قبل مدرسين ومدرسات لا يمتلكون مهارات التعليم والتربية هي التي تحول الطلاب والطالبات إلى جمادات وتنفي عنهم صفة الآدمية! إن أكثر ما يؤثر سلبا على المجتمع هو مدرس أو مدرّسة ذهب يرعب ويرهب طلابه فيتخرجون على يديه بنفسيات مجروحة إما أن تكون متوحشة تتجرأ وتثور على كل أنواع السلطات ولا تحترم القانون وتثير الشغب انتقاما من المجتمع الذي يمثله ذلك المدرس، وإما أن تكون مستكينة خجولة لا تقوى على إبداء الرأي والتفاعل مع المجتمع. وعلى أن لائمة تدني مستوى التعليم لا تقع على عاتق المدرسين والمدرسات وحدهم فقط، بل هناك أمور أخرى مثل المناهج الدراسية والتجهيزات والإجراءات الإدارية إلا أنه يبقى المدرس العامل الأهم في العملية التعليمية. إن ما يجب أن يكون حاضرا في ذهن كل معلم أن مسؤوليته كبيرة ومهمة في الارتقاء بالأمة وانتشالها من الوضع المتردي. إن التدريس ليس وظيفة يقتات منها، إنه أكبر من ذلك بكثير، إنه عنصر التغيير الاجتماعي عبر تشكيل فكر مستنير وسلوك رشيد يؤدي إلى زيادة إسهامات الأفراد وإنتاجيتهم ويوجد مجتمعا أكثر تحضرا أساسه احترام القانون وتقدير المصلحة العامة.
لقد أثار هذا الموضوع حديثا دار مع الأخت الفاضلة صفية الشيحة مديرة عام رياض الأطفال في وزارة التربية والتعليم عن التعليم، وبالذات رياض الأطفال في السعودية، فهي تعتبر من الرائدات الأوائل في تطويره والارتقاء به. تستشف من حديثها أن هناك جهودا جبارة تبذل في توعية المواطنين بأهمية رياض الأطفال في صقل مهارات الطفل الذهنية والنفسية والاجتماعية منذ نعومة أظفاره. فمخ الإنسان يكاد يكون العضو الوحيد شبه مكتمل النمو (نحو 90 في المائة) عند الولادة، ولذا فإن تعليمه في تلك السن المبكرة يقوي الوصلات بين خلايا المخ، وبالتالي ينمي قدراته الذهنية فضلا عن تعليمه مهارات الاتصال الاجتماعي. ومع هذه الأهمية لرياض الأطفال وإسهامها في تطوير قدراتهم، إلا أن الإحصائية تشير إلى أن نسبة الملتحقين بها لا تتعدى 30 في المائة في السعودية! ومع هذا فإن هناك جهود ومبادرات شخصية ليس فقط في زيادة عدد الطلاب والطالبات، ولكن الأهم من ذلك وضع المعايير التربوية وتهيئة البيئة التعليمية التي تحقق الأهداف المنشودة من التعليم. فهناك اهتمام باختيار المعلمات اللاتي يمتلكن الاستعداد والمهارات المطلوبة، ومن ثم تطوير قدراتهن عبر ندوات وورش عمل وبرامج ودورات تدريبية مكثفة، ومتابعة حقيقية لتقييم الأداء والارتقاء به، وتهيئة الفصول الدراسية المناسبة للتعليم، كل ذلك يحكمه ويوجهه فلسفة للتعليم تعتمد على إعمال العقل والتفكير الإبداعي وليس التلقين والحفظ. إنه نظام متكامل يشمل جميع عناصر العملية التعليمية ويحقق التوازن بينها، وفي الوقت ذاته التحقق إلى أي مدى تم تحقيق الأهداف. إن النجاح الذي تحقق في رياض الأطفال يعود إلى تطبيق نموذج النظم في الربط بين المدخلات والعمليات والمخرجات. فمن أجل تحقيق الأهداف التربوية وإنجاح العملية التعليمية كان لا بد من الاهتمام بمدخلاتها، ومن ثم وضع الإجراءات التربوية المطلوبة. إن هذا النوع من التفكير في العلاقة بين السبب والنتيجة يكاد يكون مفقودا في قطاع التعليم العام. فالبيئة التعليمية ينقصها الكثير من العناصر التربوية ولكن يبقى من كل تلك العناصر أسلوب التعليم وفلسفته الأهم في تطوير التعليم. إن النموذج المتبع في رياض الأطفال يعتبر بحق نموذجا يستحق التطبيق في جميع مراحل التعليم والاستفادة من تجربته، ليس في تطبيق فلسفة التعلم، ولكن أيضا في الأسلوب القيادي المتميز للقائمين عليه في بذل الجهد لتحقيق الأهداف التربوية، وليس الانغماس في إجراءات روتينية ومعاملات إدارية شكلية.