رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


ضخ وشح!

تستطيع الدول الكبرى المانحة للمساعدات الإنسانية والتنموية الخارجية، أن تعلن – بصوت ليس خفيضا - أن حجم هذه المساعدات سيتراجع إلى أجل غير مسمى. وتستطيع هذه الدول أن تنتقد المنتقدين وتقول: "لا توجهوا اللوم إلينا.. نحن في أزمة". وتستطيع أن تردد المثل المصري الشعبي المعروف "ما يحتاجه البيت.. يحرم على الجامع". فالأزمة الاقتصادية العالمية صنعت منذ اندلاعها، أكبر "شماعة" في التاريخ، يعلق عليها الكبير والصغير كل المشكلات. من تلك الناجمة عن تسريح الموظفين، إلى توقف مشاريع إنمائية وتنموية. ومن رفض قرض مصرفي لإجراء عملية جراحية ضرورية، إلى انهيار مصارف بأكملها. ومن تعثر مخططات حماية البيئة، إلى عمليات تغطية مجاري الصرف الصحي (المكشوفة) في بعض البلدان. ومن جهود تطوير التعليم إلى الكساد في قطاع المزادات التي تعنى ببيع القطع الفنية الفريدة. ومن محاولات تحسين نوعية الرغيف، إلى تراجع مبيعات اليخوت الفاخرة. بل حتى المحتالون الهاربون من وجه العدالة والأخلاق، وجدوا في الأزمة حجة لعدم إعادة الأموال التي سرقوها لأصحابها.
الأزمة الاقتصادية "تحملت" كثيرا، بعد أن حملت العالم كثيرا، ووضعت هذا العالم أمام حقيقة، أن الاقتصاد غير المسؤول، هو بمثابة أكبر "قنبلة نووية"، تهز الأركان حتى قبل انفجارها، و"تفني" بعد اشتعال صاعقها، وأن اللعب في الاقتصاد – وعليه - أشبه بحالة قطار سريع يقوده طفل، لا يعرف أين توجد ذراع المكابح، بل لا يعرف فائدة المكابح أصلا. وقد كان الرئيس الأمريكي الأسبق تيودور روزفلت بليغا عندما قال: "إن لعبت العب بجدية.. وإن عملت إياك أن تلعب".
بعيدا عن اللعب، واقترابا من الجدية، تبقى أسئلة كبيرة وكثيرة لا بد من الإجابة عنها، ووضعها أمام من يعرف المعايير، ويفهم تحديد الأولويات. هل توفر الأزمة الاقتصادية العالمية – حقا - الحجة القوية والمقنعة للدول الكبرى المانحة للمساعدات الخارجية لتقتير معوناتها؟ وهل أن المعايير التي تنطبق على شركة أو مؤسسة منهارة تسري على دولة ينقصها كل شيء بما في ذلك مياه الشرب؟ وهل الكوارث المولودة من الحروب - وتلك الطبيعية ـ تتساوى في هولها بمشكلة مصرف أعلن إفلاسه؟ وهل فقدان الدواء لعلاج مرضى الإيدز في دولة ما ـ مثلا - يوازي في بشاعته تراجع مبيعات السيارات حول العالم؟ ولعل السؤال الذي يوجه مباشرة للدول المانحة، يلخص الحالة بصورة عامة هو: هل تستحق الجدارة ـ إذا كنت قويا ـ في محيط لا يوجد فيه قوي آخر؟ وإذا لم يفهم هذا القوي هذه المقاربة، فإنه لن يختلف عن شخص خاض سباقا بمفرده.. لكنه احتل المركز الثاني!
لا أحد يطالب أية دولة كبرى من تلك التي توفر المساعدات الخارجية، أن تقدم للآخرين قبل أن تقدم لشعوبها، وأن تمنع عن نفسها ما تقدمه لغيرها. لكن في الوقت نفسه لا يمكن إغفال حقيقة أن واجبات هذه الدول مرتبطة بقدر هاماتها و"هيباتها" – إن جاز التعبير- وإلا.. لتنضم إلى صفوف الدول الصغيرة، ولا تدعي العظمة، وعليها ألا تحاول الحصول على المزايا التي يستحقها الكبير، بما في ذلك هالة المقام "الأبوي". فأنا أعلم أن الوالد لا يصبح أبا، إلا إذا كان على قدر الأبوة.
ومن هنا فقدت دولة كالولايات المتحدة في فترة حكم جورج بوش الابن، كثيرا من معايير الكبير – وبالتالي وقار الهيبة - ليس فقط لفشلها في معالجة القضايا الدولية العائمة، ولا في دورها في اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية، ولا في سذاجتها في قراءة المستقبل، ولا في جهلها بما يجري حولها، بما في ذلك الداخل الأمركيي. بل أيضا في تراجع حجم مساعداتها الخارجية، منذ خمس سنوات على الأقل، بعد أن كانت تتصدر هذه القائمة لأعوام عديدة. وهذا يعني أن المساعدات الأمريكية تراجعت قبل سنوات من انطلاق الأزمة – لا أشهر- الأمر الذي يجعل حجتها واهية، إذا ما ربطت هذا الانخفاض، بتلك الأزمة.
وطبقا لآخر الإحصائيات الصادرة عن قسم المعلومات في وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إى"، فقد تراجعت الولايات المتحدة عام 2008 إلى المركز الرابع في قائمة الدول الأكثر تقديما للمساعدات حيث بلغ حجم هذه المساعدات 6.9 مليار دولار، في حين قدمت في عام 2003 قرابة الـ 12.9 مليار دولار. أي أن المساعدات الأمريكية تراجعت إلى النصف تقريبا، في غضون نصف عقد من الزمن. بينما احتلت فرنسا العام الماضي المركز الأول بـ 12 مليار دولار، وبريطانيا المركز الثاني بـ 10.7 مليار، واليابان المركز الثالث بـ 8.9 مليار دولار، وألمانيا المركز الخامس بخمسة مليارات، وبلد كهولندا احتل المركز السادس بأربعة مليارات دولار. وهذا يعني أن الولايات المتحدة التي لا تزال تتمتع بأكبر اقتصاد في العالم، تقف في أدنى درجة لها أمام دولة مثل بلجيكا التي تقدم ألف مليون دولار سنويا كمساعدات خارجية، على أساس دخلهما الوطني.
والواقع أن مساعدات الدول الكبرى الأخرى ـ غير الولايات المتحدة ـ شهدت في الأعوام القليلة الماضية، تراجعا ملحوظا- أي حتى قبل انفجار الأزمة العالمية- لكن هذا التراجع لم يبلغ المستوى الذي تردت إليه المساعدات الأمريكية. وعلى سبيل المثال تراجعت مساعدات الاتحاد الأوروبي الخارجية عام 2007 التي بلغت 46.1 مليار يورو (اليورو يساوي 1.2 دولار أمريكي) أكثر من 1.7 مليار يورو مقارنة بحجمها عام 2006. أي أن الدول المنضوية تحت لواء هذا الاتحاد لم تف بكامل تعهداتها، وهذا المبلغ المستقطع يمكن أن يمول – حسب مفوضية الاتحاد الأوروبي- بناء 4500 مدرسة أو 1200 مستشفى. وحسبما يعرف بـ "أهداف الألفية للتنمية" التي أطلقتها الأمم المتحدة، تعهدت دول الاتحاد بتخصيص 0.7 في المائة من دخلها الوطني الإجمالي للمساعدات الخارجية بحلول عام 2015 ، في حين تبلغ حاليا نحو 0.38 في المائة من هذا الدخل.
وعلى الرغم من ذلك، لا يزال الاتحاد الأوروبي أكبر مانح للمساعدات السنوية في العالم، حيث بلغت قيمتها (نسبة لعدد مواطني الاتحاد) 93 يورو عن كل مواطن، في حين بلغت المساعدات الأمريكية 53 يورو عن كل فرد أمريكي، واليابانية 44 يورو عن كل فرد ياباني. لكن هذه الدول التي لم تقدم تبريرات لتراجع مستوى مساعداتها، تقوم الآن بضخ أموال خرافية في المؤسسات المالية بهدف إنقاذها وانتشالها من بؤرة الهلاك، من خلال دخول الحكومات كشريكة في بعض المؤسسات المتهاوية، وعن طريق تأميم عدد من المؤسسات الأخرى. وهذا يعني ببساطة أن "الضخ" في الصناعة المالية ( وغيرها من الصناعات)، يساوي شحا في المساعدات الخارجية، الذي يؤدي بدوره إلى تراجع – بل تردي- في مخططات التنمية – بكل آلياتها - في الدول النامية.
ماذا يعني هذا؟ يعني ببساطة أن الاستقرار العالمي الذي تنشده الدول الكبرى - أو حتى احتواء التوتر- لن يتحقق في المرحلة المقبلة. ويعني أن رائحة الموت في البلدان الفقيرة، ستصل إلى البلدان الغنية. ويعني أن انضمام أمي جديد إلى ملايين الأميين، هو بمثابة مشروع متمرد جاهل جديد.. بل إرهابي آخر. ويعني أن "جرحى الكراهية" سيفوقون عددا "جرحى الحب".
وقبل هذا وذاك.. يعني انحطاط مقام الكبير، هذا إن استمر كبيرا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي