قصة من تبوك

في ندوة عقدتها "الاقتصادية" لكتابها مع وفد أوروبي قبل نحو أسبوعين التقيت الدكتور بشير بن محمد الغريض الذي زاملته في الدورة الثالثة لمجلس الشورى، وكنت قد سعدت بمعرفة والده، رحمه الله، عندما قادتني ظروف العمل إلى تبوك عام 1397هـ, أي قبل ثلاثة وثلاثين عاما. وقد طلب مني الزميل بشير أن أسجل شيئا مما بقي في الذاكرة عن تلك الأيام الخوالي. يومئذ كانت المملكة في بدايات الوفرة المالية الأولى التي شهدت إنفاقا حكوميا سخيا على برامج تنموية في شتى مناحي الحياة تقريبا من تعليم وصحة إلى نقل وخدمات، وغيرها . إلا أن حجم ذلك الإنفاق وسرعته أديا إلى اختناقات حادة في مفاصل اقتصادية مهمة هي نفسها كانت عاجزة عن القيام بدورها كالكهرباء، المياه، الموانئ، والإسكان، ما حتم الإنفاق عليها أيضا وبشكل عاجل.
وما يعنينا في هذا المقام هي أزمة الكهرباء التي يمكن القول إنه لم تنج منها مدينة أو قرية، ولم يكن عجزها في شق من عملياتها بل كان عجزا شاملا في جميع مراحلها من توليد، نقل, وتوزيع. ذلك التدهور في الخدمة، أو إن شئنا وصفه بالانهيار، حدث على الرغم من الاستقرار الذي تميزت به تلك الخدمة لسنوات طويلة تحت إدارة شركات مساهمة يملكها القطاع الخاص. تلك الأحوال السابقة فاللاحقة وأسبابها تناولها وزير الصناعة والكهرباء في تلك الفترة الدكتور غازي القصيبي في كتابه " حياة في الإدارة"، إذ جاء على الصفحة 160 ما نصه: "كانت الأمور في الخمسينيات والستينيات الميلادية (السبعينيات والثمانينيات الهجرية) تسير على نحو مكّن شركات الكهرباء من التعامل مع واجباتها. كانت التعرفة، 14 هللة لكل كيلووات/ساعة، مجزية، وكان الاستهلاك يزيد سنويا بوتائر بسيطة لا تتجاوز 5 في المائة. كانت شركات الكهرباء أكثر الشركات العاملة في المملكة أرباحا، وكان القائمون عليها من أعظم الناس مكانة. إلاّ أن دوام الحال من المحال، كما يقولون. عندما تضاعفت إيرادات الدولة في السبعينيات الميلادية (التسعينيات الهجرية) وبدأت عجلة التنمية تدور قفز استهلاك الكهرباء على نحو لم يعهد له مثيل في أي مكان في العالم. مع منتصف السبعينيات كانت الزيادة السنوية في الاستهلاك تصل إلى 50 في المائة. زاد الطين بلّة، من وجهة نظر الشركات، أن الدولة قررت خفض التعرفة إلى النصف. كان هذا القرار سيؤدّي إلى خسائر هائلة لولا أن الدولة قررت، في الوقت نفسه، إعطاء الشركات القروض التي تحتاج إليها لمواجهة الاستهلاك، وضمنت للمساهمين أرباحا مقدارها 15 في المائة (خفضت النسبة، فيما بعد، إلى 7 في المائة).
من بين تلك الشركات شركة كهرباء تبوك التي كانت ملكيتها وإدارتها من قبل القطاع الخاص (الغريض، الناصر، وغيرهما) بطاقة توليد متواضعة من أربع مولدات تعمل بالديزل لم يتجاوز مجموع قدراتها الاسمية 3.1 ميجاوات، وهي بالكاد تكفي ربع سكان المدينة في ذلك الحين بينما ترك السواد الأعظم دون خدمة كهربائية منتظمة. وما فاقم الأزمة بناء أحياء سكنية جديدة على أمل أن يصل إليها التيار من المحطة التي بدئ في إنشائها في ذلك الوقت بتمويل من الحكومة بطاقة 40 ميجاوات، أي عشرة أضعاف المولدات التي كانت في الخدمة. غير أن المحطة الجديدة تأخر برنامج تنفيذها لمدة عام تقريبا لأسباب لوجستية من بينها التكدس في ميناء العقبة الذي كانت ترد من خلاله بعض معدات وقطع المشروع. وما زاد الأمر ضغثا على إبالة أن الخط الدائري الرئيس لنقل التيار من المحطة إلى أرجاء المدينة لم يكن جاهزا هو أيضا لأسباب متشعبة ومتشابكة على نحو لا بداية له ولا نهاية. بمعنى آخر أن أي زيادة في طاقة التوليد لم تكن لتؤثر في تخفيف الأزمة مادام أن وسيلة نقل تلك الطاقة إلى المستهلكين مفقودة!
تلك كانت المعطيات بإيجاز لواقع الكهرباء في تبوك مطلع عام 1397هـ عندما تلقى كاتب هذه السطور اتصالا هاتفيا من محافظ المؤسسة العامة للكهرباء يومئذ المهندس محمود بن عبد الله طيبة، رحمه الله، يدعوه لتمثيل الحكومة كأول رئيس لمجلس إدارة شركة كهرباء تبوك بعد أن أصبحت مالكة لغالبية رأسمالها عوضا عن القروض التي قدمتها للشركة. وقد ضم ذلك المجلس في عضويته الدكتور نزيه بن حسن نصيف والمهندس محمد بن عبد الله عدوان، ومن القطاع الخاص الأستاذ محمد بن إبراهيم الناصر (العضو المنتدب)، وممثل لبنك الرياض بحسبانهما من كبار المساهمين. ومن الطبيعي أن كانت على رأس مهام المجلس الجديد تنظيم العمل ومعالجة المشكلات التعاقدية واللوجستية التي أدت إلى تأخير استكمال بناء المحطة الرئيسة وخطوط النقل والتوزيع. لكن المجلس سرعان ما تكشفت له مهمة أخرى، بعد أولى زياراته الميدانية، لم تكن في الحسبان. فقد شكّل تأخير إنجاز مشاريع الكهرباء تلك عنتا على أهالي تبوك لا يطاق إذ كان الحر شديدا وموسم الاختبارات على الأبواب.
وجد المجلس نفسه بين خيارين إما أن يترك الأوضاع على ما كانت عليه إلى أن تستكمل المحطة الجديدة بعد عام من ذلك التاريخ، إن سارت الأمور بشكل جيد وهو احتمال لم يكن أكيداً، وإما أن يبحث عن حل عاجل لتخفيف معاناة الناس. ومن حسن الحظ أن اجتمع الرأي على البديل الثاني واستبعاد البديل الأول كخيار غير مقبول إنسانيا تحت أي من الظروف. ولم يكتف المجلس باتخاذ ذلك القرار فحسب، بل أنجز جميع خطواته التنفيذية قبل أن ينفض قي ذلك اليوم بأن أصدر أمر شراء لإحدى الشركات في الرياض لتأمين ثلاثة مولدات متنقلة بشكل فوري قدرة كل منها نحو ميجاوات واحد، أي أن مجموع قدراتها مكافئ لقدرات المولدات الأخرى التي كانت في الخدمة، أو بعبارة أخرى تضاعفت قدرة التوليد الكهربائي في تبوك خلال أقل من أسبوع. ثم كان لا بد من التفكير في طريقة غير تقليدية لتحقيق أكبر قدر من الإفادة من تلك المولدات في ظل غياب شبكة توزيع يمكن استخدامها بضخ التيار من خلالها إلى المنازل.
وزعت تلك المولدات في مواقع متوسطة بين الأحياء بحيث تخدم أكبر عدد ممكن من المنازل بأقل أطوال من الأسلاك (الكابلات), وزود كل مولد بصهريج متنقل لتخزين الديزل بسعة تكفي 12 ساعة تشغيل، وتتولى الشركة تعبئته مرتين في اليوم. وقضت الحال أن تمد الكابلات على هامة الأسوار بشكل مؤقت إذ لم يكن هناك فسحة من الوقت أو متسع من المال لأعمال الحفر والردم المعتادة. مر ذلك الأسبوع وكأنه حلم في حياة البعض إذ استيقظوا وإذا بمئات من المنازل لأول مرة تعرف طعما للماء البارد وتشعل مصباحا يبدد عتمة الظلام في الليالي الحالكة. أما فرحتنا في الشركة فكانت لا توصف.
لم يكن ذلك الإنجاز الوحيد للشركة ومجلس إدارتها، بل كتب الله لأعمالهم التوفيق إذ استكمل بناء وتشغيل المحطة الرئيسة وخطوط النقل والتوزيع خلال العام الأول للمجلس، وبعد أن تحقق الهدف، تقدم كاتب هذه السطور إلى المهندس طيبة، رحمه الله، بطلب إعفائه، وواصل زملاؤه وآخرون من بعدهم المسيرة في تطوير ذلك المرفق وزيادة قدراته إلى أكثر من عشرة أضعاف ما كانت عليه في البدايات.
تلكم بعض من الذكريات الجميلة التي ما زالت تختزنها الذاكرة عن تبوك.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي