قطاع المقاولات.. حرب على الجودة
يشكل قطاع المقاولات جزءا مهما من الاقتصاد السعودي وصل إلى 15 في المائة و17 في المائة من الميزانية في عامي 2006 و2007 على التوالي. كذلك لقطاع المقاولات دور حيوي خاص يتعدى هذه النسبة المعتبرة فهو يمثل شعار البناء والتنمية وهو الجزء المنظور للكثير، وهو كذلك جزء رئيس من البنية التحتية. جودة مخرجات هذا القطاع تقول الكثير بخصوص نظرتنا عن الحياة المادية ومدى جدية مشروعنا التنموي. الجودة في محل شك منذ أن أخذت الحكومة بمبدأ الأقل سعرا كمحدد أوحد بعقود المقاولات.
المنافسة على السعر فقط تكون على حساب الجودة.
اختصار المنافسة بين المقاولين "المؤهلين" فقط على السعر الأقل يختزل نشاطات هذا القطاع الحيوي ويسهم في منافسة غير صحية تنتهي غالبا باللف حول الأنظمة وخاصة العمل والعمال والتنازل في المواد وحتى الفساد والرشوة. هناك تأثير آخر في حيوية المنافسة في القطاع، فالمنافسة بالسعر فقط تخلق فرصة لكل من هب ودب بمحاولة دخوله ومن خلال المراهنة على سعر أقل والأمل على أن تنفرج أو أن تنجح المراهنة في التغاضي عن تطبيق المواصفات والأنظمة. تفادي هذا النظام مكّن شركتين من الهروب من استحقاق المنافسة السعرية وجعل منهما عملاقتين. أما البقية فدخلوا في حرب ضروس المنتصر فيها خسران والمستفيد المفترض خسران أيضا.
توجد شركات مقاولات قليلة جدا لديها الحجم والعمق الفني والإداري الذي يمكنها من المنافسة عالميا حتى بعد هذه التجربة في المقاولات في المملكة. السبب الرئيس أن المنافسة على الأسعار فقط تسرع بالخارج وبالداخل دون تعميق التجربة ناهيك عن جودة المنتج. الجدير بالذكر أن تجربة المملكة في الماضي كانت أفضل. فمثلا تلك الوزارات التي أنشئت قبل أكثر من أربعة عقود وتلك التي أنشئت في السنوات الثلاثين الأخيرة.
المنافسة على السعر ترغم المتقدم إلى عطاءات حكومية على دمج عرض فني ومالي وبذلك يصعب تقييمها فهو يعلن الالتزام بالمواصفات الفنية ولكن يصعب على المتلقي تقييم تلك العروض إلا بالخبرة الشخصية دون الارتكاز على فرز المالي من الفني. تلك النزعة في الدمج تساعد على محاربة الشفافية والجودة ومعرفة أين الخلل وبذلك لها تأثير في قدرة القطاعات الحكومية على الفرز وتحد من تطوير وتخصص المقاولين وحتى لها تأثير في القطاع المالي، فالممول – في الغالب – يراهن على دفعات حكومية فقط دون تحليل ائتماني عميق يتضمن كفاءة المقاول الفنية.
الحل يأتي من خلال فصل العرضين المالي والفني، وقد حاول بعض الجهات في الحكومة تطوير هذه الآلية ولكن الثقل البيروقراطي والمصالح الشخصية والتكيف مع المألوف أقوى من المصلحة العامة ولذلك كان هناك تدخل من جهات حكومية فاعلة اقتصادية للحفاظ على المألوف. كذلك يأتي الفرز اتباعا لمتطلبات منظمة التجارة الدولية وتماشيا مع ما يتم في كثير من الدول المتقدمة وحتى بعض الدول المجاورة النامية.
كسر هذه الممارسات القديمة والحد من الاحتكار وفوضى المنافسة المختزلة في السعر فقط تساعد على تحسين قطاع المقاولات وتعزيز التنمية في المملكة.