لطيفة جدا

لطيفة جدا

يبدو أن هيلاري كلينتون، مبعوثة الرئيس الجديد، لا تزال في "وضعية الاستماع"، وقد كانت لطيفة جدا خلال جولتها الأولى بوصفها وزيرة الخارجية في الشرق الأوسط الأسبوع الماضي. ولكن لا شك أن المحللين استمعوا باهتمام أيضا إلى زائرتهم، على أمل الحصول على خيوط تدل على اتجاه السياسة الأمريكية تحت رئاسة باراك أوباما، ليس فقط تجاه إسرائيل والفلسطينيين، بل أيضا تجاه سورية وإيران. وقد لمحت بأن هناك تغييرا واستمرارية في الوقت نفسه - موحية بالطمأنينة أو مخيبة للآمال أو مقلقة، اعتمادا على وجهة نظر الجماهير المختلفة.
وبالنسبة للإسرائيليين والفلسطينيين، كانت الرسالة توحي بالاستمرارية أكثر مما توحي بالتغيير. فكلينتون تريد مساعدة غزة على التعافي من الضرب الذي تعرضت له خلال الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس. وقد حضرت اجتماع دولي في منتجع شرم الشيخ في مصر، الذي تم فيه التعهد بدفع مساعدات بقيمة تقارب 4.5 مليار دولار. ولكنها تبدو في الوقت الحالي مصممة على التعامل فقط مع محمود عباس والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وليس مع حماس، مع أن الإسلاميين لا يزالون يسيطرون على غزة على الرغم من الهجوم الإسرائيلي الأخير. ولا تزال أمريكا تقول إنه إذا أرادت حماس إجراء محادثات فعليها الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف وقبول الاتفاقات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية- وهي الشروط التي وضعتها أمريكا والأمم المتحدة أيضا.
هل هذه الأخبار سارة بالنسبة لإسرائيل؟ نعم ولكن إلى حد معين فقط. فقد بدأ المصريون ثانية بمحاولة إقناع حركة فتح التي يترأسها عباس وحركة حماس بإجراء محادثات لتقاسم السلطة والتي من المقرر أن تبدأ جديا قريبا، والتي قد ينتج عنها، إذا نجحت، حكومة فلسطينية يمكن لبقية العالم التعامل معها. علاوة على ذلك، فإنه منذ حرب غزة أصبحت الأصوات التي تدعو إلى التسوية مع حماس، حتى إن لم توافق على جميع الشروط المطلوبة، أعلى صوتا في الدوائر الدبلوماسية، خاصة في أوروبا. وقد استغلت كلينتون زيارتها للتوضيح للحكومة الإسرائيلية المقبلة بقيادة الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو بأنه إذا أرادت إسرائيل عزل حماس، فإن عليها التعاون بصورة أفضل مع عباس. ووجهت في اجتماع عقد في رام الله مع الرئيس الفلسطيني في الرابع من آذار (مارس) انتقادات قاسية لإسرائيل بسبب هدم منازل الفلسطينيين في القدس (ولكنها لم تنتقد، علنا، سياستها الاستيطانية العامة في الضفة الغربية).
ولعل الأسوأ من وجهة نظر نتنياهو هو النية الحازمة للإدارة الجديدة بالتواصل مع سورية وإيران، الدولتين اللتين وضعهما جورج بوش في "محور الشر" ولكن اللتين أصبحتا الآن أهدافا "للمشاركة" الدبلوماسية إذا كانتا راغبتان في تليين موقفهما. وقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية خلال جولة كلينتون أنها سترسل أعلى وفد أمريكي منذ عدة سنوات إلى سورية. وينذر هذا بمشكلات في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. ومع أن عديدا من الإسرائيليين، بمن فيهم الكثير في مؤسسة الدفاع، يؤيدون فكرة السلام مع سورية، إلا أن نتنياهو يعارض بشدة دفع الثمن الذي لا مفر منه، أي إعادة مرتفعات الجولان التي تم احتلالها في حرب عام 1967.
أما نهج أمريكا تجاه إيران فهو أكثر حذرا. فقد انضمت كلينتون إلى مجموعة من القادة المحليين لتحذير إيران بعدم التدخل في الشؤون العربية. وتبين أن أوباما كتب رسالة إلى الرئيس الروسي، ديميتري ميدفيديف، يشير فيها إلى أن أي تخفيض للخطر النووي من إيران سيقلل حاجة أمريكا لنشر نظام الدفاع الصاروخي الذي تكرهه روسيا في أوروبا الشرقية. ويبدو أن تلك محاولة لإغراء روسيا بقبول عقوبات اقتصادية أكثر صرامة على إيران- جزء من العصا التي ينوي أوباما التلويح بها إذا لم يقبل الإيرانيون بالجزرة، أي إجراء المحادثات. وتشتكي إسرائيل من أنه إذا تحدثت إيران مع أمريكا أصلا، فستفعل ذلك فقط لكسب الوقت في حين تعمل على إتقان خططها لتصنيع أسلحة نووية.
وقد حرصت كلينتون على عدم التدخل في السياسة الداخلية الإسرائيلية. وتعهدت بالعمل من كثب مع أية حكومة ستظهر في نهاية عملية بناء التحالف المشحونة التي يقوم بها نتنياهو. ولكنها كررت بشدة التزام أمريكا بحل الدولتين بالنسبة لإسرائيل وفلسطين، وهي الفكرة التي يرفض نتنياهو بحزم الموافقة عليها، مع أن عناده قد يمنعه من بناء تحالف ذي قاعدة عريضة الذي يسعى إليه.
وبعد أن واجه نتنياهو رفض تسيبي ليفني مرة أخرى محاولاته لتشكيل حكومة عريضة تشمل حزبها من الوسط، حزب كاديما، يسعى الآن لاجتذاب إيهود باراك، زعيم حزب العمل، الذي لا يخفي رغبته في البقاء كوزير للدفاع. إلا أن الكثيرين في حزبي كاديما والعمل لا يريدون أن يكون لهم علاقة بنتنياهو إلا إذا وافق على ضرورة إقامة دولة فلسطينية، وليس فقط "السلام الاقتصادي" الذي يعرضه. ولم تقل كلينتون في جولتها أي شيء قد يقوض فكرة أن تظل إسرائيل صديقة خاصة. ولكن فيما يتعلق بغزة والمستوطنات والحوار مع سورية وإيران، قد تكون العلاقة الأمريكية المستقبلية شائكة.

الأكثر قراءة