الشعبية الدائمة لرجب طيب أردوغان

الشعبية الدائمة لرجب طيب أردوغان

ولكن هل ستضعف الشعبية حماس رئيس الوزراء التركي للإصلاح؟

خلال التجمع الحديث في مدينة Van جنوب شرق تركيا التي تقطنها أغلبية كردية، كان رجب طيب أردوغان مستمتعا بوقته. وقد سرد رئيس الوزراء التركي إنجازات حكومته بفخر أمام الجمهور المبتهج، "22 مدرسة ابتدائية، خمس عيادات صحية، 82 كيلو مترا من الطرق المعبدة".

ولم يتبق سوى ثلاثة أسابيع قبل الانتخابات البلدية على مستوى الدولة في التاسع والعشرين من آذار (مارس)، وقد بدأ أردوغان حملته الانتخابية وهو واثق من نفسه. وتشير معظم استطلاعات الرأي إلى أن حزبه الإسلامي المعتدل، حزب العدالة والتنمية، سيهزم خصومه مرة أخرى. ويشعر حزب الشعب الجمهوري العلماني المعارض بيأس شديد بحيث إنه لم يعد يتحدث كثيرا عن خطر قانون الشريعة أو مخاطر الانفصالية الكردية. وبدلا من ذلك، لجأ إلى تعيين مرشحات من النساء يرتدين الحجاب الإسلامي ويدعو إلى إعلان العام الكردي الجديد يوم عطلة وطنية.

وليس من المحتمل أن يكون لأي من هذا تأثير كبير على الناخبين، الذين سيظل معظمهم مع حزب العدالة والتنمية. كما إنه لن يؤثر في سياسات أردوغان. فمنذ أن تمت إعادة انتخابه بهامش كبير في الانتخابات العامة في عام 2007، يقول منتقدوه إن رئيس الوزراء أصبح استبداديا بصورة متزايدة، حيث انجرف بعيدا عن الأجندة الإصلاحية التي جلبت حزب العدالة والتنمية لأول مرة إلى حكم الحزب الواحد عام 2002. ومن الأمور غير المساعدة أيضا كون الاتحاد الأوروبي لا يزال يماطل في إجراء المحادثات التي طال أمدها بشأن طلب عضوية تركيا، مما يضعف الحماس للإصلاح في أنقرة.

وكدليل آخر على النزعات الاستبدادية، يشير النقاد إلى نزاع أردوغان المستمر مع Aydin Dogan، أكبر قطب إعلامي في الدولة، الذي كشفت وسائل إعلامه فضائح الفساد التي يتورط فيها أفراد مقربون من الحكومة. ويعتقد Dogan أن هذا يفسر سبب تعرضه لمطالبة بدفع 500 مليون دولار مقابل ضرائب مزعومة غير مدفوعة، وهي تهمة ينفيها بشدة. ويشتكي Sedat Ergin، المدير التحريري لصحيفة Milliyet، إحدى الصحف الرائدة لـ Dogan: "لقد أصبحت تركيا جمهورية الخوف".

وعلى الجبهة الدولية، يثير أردوغان الدهشة لأسباب تتجاوز فقدان حماسه (المفهوم) للاتحاد الأوروبي. وقد اجتذب كذلك اهتمام غير مرغوب بهجومه العنيف على إسرائيل، خاصة خلال حربها مع غزة، وبسبب صداقاته الناشئة مع إيران والسودان.

ولكن بين الأتراك العاديين، لا يزال أردوغان القائد الأكثر شعبية وسحرا منذ رئيس الوزراء والرئيس السابق، Turgut Ozal. وتلخص سيدة مسنة في Van المزاج العام بقولها: "طيب أردوغان هو واحد منا، فهو يعاملنا على قدم المساواة". وقد أجبرت شعبية أردوغان أعداءه، خاصة جنرالات الدولة المحبين للحرب الذين حاولوا مرارا إسقاط حكومته، على التراجع.

وكان تأثير أردوغان واضحا في Van أثناء تسليمه مع زوجته النشطة، Emine، الألعاب إلى عدد كبير من الأطفال. وفي مناطق أخرى في تركيا، توزع الحكومة الفحم والكتب المدرسية، ومع اقتراب الانتخابات، بدأت أيضا بتوزيع الثلاجات والغسالات الكهربائية للفقراء. وقد أغضب هذا التبذير صندوق النقد الدولي. ولم يتم بعد توقيع التسهيلات التي طال تأجيلها مع الصندوق بسبب الخلافات حول الإنفاق العام. ولكن في إحدى المقابلات، أصر أردوغان بتحد على أن الاقتصاد التركي قوي بما فيه الكفاية لتجاوز مشكلاته الحالية دون مساعدة صندوق النقد الدولي.

وقد تضررت تركيا جراء الأزمة المالية، مثل معظم الدول. فالليرة التركية تتراجع مقابل الدولار، ومن المتوقع أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي هذا العام ويرتفع معدل البطالة. ولكن لم يفلس أي بنك تركي، ويعود ذلك جزئيا إلى التنظيم الصارم. فالاقتصاد يتعثر ولكنه لا يزال يقف على قدميه.

لا عجب إذن أن يشعر أردوغان بثقة كبيرة بنفسه. ويخشى الكثيرون أن يؤدي تحقيقه لنصر انتخابي كبير آخر إلى زيادة غروره. ولكن على الرغم من المواقف التي تم اتخاذها قبل الانتخابات، هناك دلائل تشير إلى أن نزعته العملية قد تعود. ويبدو أنه أدرك أنه يعاني مشكلة تتعلق بصورته. فقد عيّن متحدث لطيف جديد وبدأ بالتودد إلى الصحافيين الأجانب للمرة الأولى. وفي مقابلة له مع كاتب هذا المقال، وزع ابتساماته بحرية (إضافة إلى الفواكه المجففة) أثناء إصراره على أنه ليس مستبدا. وكل ما أقر به هو قوله: "قد أكون عديم الصبر أحيانا".

وقد أدى إطلاق أول تلفزيون رسمي في تركيا ناطق باللغة الكردية في كانون الثاني (يناير)، ودعوات الحكومة لإنشاء كليات للأدب الكردي في الجامعات الحكومية، إلى رفع الآمال بتنفيذ المزيد من الإصلاحات. وبعد سنوات من العداء المتبادل، بدأت تركيا وأكراد العراق بالتحدث أخيرا. ويُقال أنه يتم بحث اتفاق مع المسلحين الانفصاليين من حزب العمال الكردستاني، الذين يخوضون حرب مع الجيش التركي منذ عام 1984 من قواعد في شمال العراق. وجنرالات تركيا موافقون على مضض.

وكل هذا سيجعل اجتماع أردوغان في نهاية هذا الأسبوع مع وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، مهما بصورة خاصة. فأردوغان سيطلعها على المحادثات مع خصم سابق آخر لتركيا، وهو أرمينيا. وحال انتهاء الانتخابات المحلية في تركيا والذكرى الـ 24 للقتل الجماعي للأرمن العثمانيين عام 1915، من المتوقع إعادة العلاقات الرسمية بين الدولتين وإعادة فتح حدودهما المغلقة منذ فترة طويلة. وقد يسهم هذا أيضا في تفادي محاولات الكونجرس الأمريكي لإقرار قرار يدعو إلى وصف المجازر التي حدثت بأنها إبادة جماعية.

ومن المتوقع على نطاق واسع التوصل إلى صفقة مع صندوق النقد الدولي بعد الانتخابات المحلية أيضا، مع أن Mehmet Simsek، وزير الاقتصاد، يصر على أن على صندوق النقد الدولي التخلي عن بعض مطالبه "التقليدية". وفيما يتعلق بالتقدم في مجال الانضمام للاتحاد الأوروبي، فإن الاختبار الكبير التالي بالنسبة لأردوغان هو فيما إذا كان قادرا على تليين موقفه قليلا بشأن فتح موانئ ومطارات تركيا أمام قبرص، مما سيجعل منتقدي تركيا داخل الاتحاد الأوروبي (خاصة الفرنسيين) يشعرون بالخجل ويضطرون لإيقاف محاولاتهم لتقويض محادثات العضوية.

ويشير تعيين Egemen Bagis، الشاب الذكي المتحدث باللغة الإنجليزية، كأول متفاوض مع الاتحاد الأوروبي باسم تركيا، إلى أن أردوغان قد يشرع بجهود جديدة لإعادة المحادثات مع الاتحاد الأوروبي إلى مسارها. ولكن إذا كان جادا حقا، فعليه أن يحاول ثانية إعادة كتابة دستور تركيا، الذي تم وضعه من قبل الجنرالات بعد الانقلاب العسكري عام 1980. وكادت محاولاته السابقة لفعل هذا تؤدي إلى إصدار حكم من قبل المحكمة الدستورية بحظر حزب العدالة والتنمية على أساس أنه يحاول فرض قانون الشريعة. والسبب في ذلك هو أنه بدأ بطريقة مجزأة عن طريق محاولة تخفيف الحظر على الحجاب الإسلامي في المكاتب والجامعات الحكومية. ومن الأفضل أن يعمل أردوغان هذه المرة مع المعارضة لإنتاج دستور يلبي رغبات جميع الأتراك، وليس فقط المتدينين.

الأكثر قراءة