الاستعداد لما بعد الصدمة

الاستعداد لما بعد الصدمة

لا يزال مدى محكمة العدل الدولية غير مؤكد. فإذا تم وضع الرئيس السوداني، عمر البشير، في النهاية في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي للرد على اتهامات ارتكابه الكثير من أعمال العنف المروعة في منطقة دارفور الغربية في السودان، لن يكون ذلك دون معركة.
وينفي البشير بشدة كل الاتهامات. وقال لمنتقديه أخيرا "يبلّوا اتهاماتهم ويشربوا ماءها". وعلى أية حال، فإن مذكرة الاعتقال التي صدرت في الرابع من آذار (مارس) بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (تم إسقاط تهم ارتكاب إبادة جماعية، بناء على حكم الأغلبية، ولكن يمكن إعادتها إذا ظهرت أدلة أخرى، كما قال القضاة) تعني أن جميع الحكومات التي صادقت على معاهدة روما، والبالغ عددها 108، التي أنشأت المحكمة، ملزمة بالمساعدة على تقديمه للعدالة.
إلا أن عديدا من أعضاء الاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، نحو الثلث من المجموعة المفترضة (مع أن الأردن هو العضو العربي الوحيد في المحكمة الجنائية الدولية)، يشعرون بالغضب منذ وقت طويل من رغبة المحكمة بملاحقة البشير. وحتى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي صوّت قبل أربع سنوات لصالح إحالة النزاع في دارفور إلى الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية، منقسم بشأن ما يجب أن يحدث الآن.
وقد صدرت بالفعل مذكرات اعتقال أخرى بحق وزير "الشؤون الإنسانية" للبشير وأحد قادة ميليشيا الجنجويد العربية المدعومة من قبل الحكومة، ومن المتوقع إصدار المزيد من مذكرات الاعتقال. إلا أن الاضطرابات التي ستلي اتهام البشير قد تضر بالمحكمة. فقد هددت بعض الدول الإفريقية الأعضاء في السابق بالانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية إذا تم المضي قدما في قضية البشير.
وفي العام الماضي، أعلن المدعي العام للمحكمة، Luis Moreno-Ocampo، دون تردد، أن كامل منطقة دارفور هي "مسرح جريمة"، على ضوء الأدلة على جرائم القتل والاغتصاب الجماعي التي نفذتها الجنجويد ضد السكان السود في معظمهم في غرب وجنوب دارفور. وأضاف جريمة الإبادة الجماعية إلى لائحة الاتهام، مستندا في ذلك جزئيا إلى الظروف المروعة والعنف في وحول مخيمات اللاجئين في دارفور. ويعرّف النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (مثل اتفاقية الأمم المتحدة حول الإبادة الجماعية) الإبادة الجماعية بأنها أفعال يتم ارتكابها بنية "التدمير الجزئي أو الكلي" لمجموعة دينية أو عرقية أو وطنية. ومن الضروري هنا تتبع النية حتى القمة. وفي الآونة الأخيرة، برأت المحكمة التي تدعمها الأمم المتحدة ليوغسلافيا الرئيس الصربي السابق، ميلان ميلوتيوفيتش، فيما يتعلق باتهامات ارتكاب جرائم حرب؛ فمع أنه كان رئيس الدولة حين تم ارتكاب هذه الأفعال، إلا أنه لم يعد متورطا فيها.
وستصل تأثيرات محاولة تقديم البشير للمحاكمة إلى أبعد من لاهاي. فعملية حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور، التي تسمى UNAMID والتي تضم الآن (بين رجال شرطة ومدنيين) نحو 15 ألفا، تعرضت بالفعل للهجوم من متمردين محليين؛ وتم طلب مذكرات اعتقال مرتبطة بذلك بحق ثلاثة من المتمردين المحليين. وقد يتم الآن شن عمليات انتقامية ضد UNAMID من قبل القوات التي تدعمها الحكومة. وتقول Susana Malcorra، التي تترأس جميع الجهود اللوجستية لحفظ السلام للأمم المتحدة في نيويورك، أنها حصلت على ضمانات "على جميع المستويات الحكومية" في السودان بأن موظفي الأمم المتحدة سيكونون في أمان. ولكن تحسبا فقط، سحبت عملية حفظ سلام منفصلة في جنوب السودان جميع الموظفين غير الأساسيين.
وقد وافق البشير على وجود قوة مختلطة في دارفور، ولكن فقط بعد الاحتجاج وبعد لي ذراعه من قبل الصين وغيرها، الذين على الرغم من رغبتهم بالاستمرار في القيام بالأعمال كالمعتاد، شعروا بالحرج من ارتباطهم بنظام متهم بارتكاب مثل تلك الجرائم المروعة. ولكن على الرغم من الضمانات، هل سيحاول الآن إجبار ذوي الخوذ الزرقاء على الخروج؟
إن الدلائل لا تبشر بالخير فبعد ساعات من صدور مذكرة الاعتقال، تم الطلب من عديد من وكالات المساعدات الغربية الرئيسية مغادرة البلاد، في غضون 24 ساعة بالنسبة لبعضها. وكان هذا أقصى حد من رد الفعل الذي توقعه الناس، وهي إشارة مقلقة تدل على أن المدنيين في دارفور قد يتحملون مرة أخرى وطأة غضب النظام.
وينبغي لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أن يقرر فيما إذا كان سيدعم أو يؤجل مذكرة الاعتقال بحق البشير. وخلافا للمحاكم الخاصة التي تم إقامتها للنظر في قضايا جرائم الحرب وغيرها من الجرائم الفظيعة بعد الحروب في يوغسلافيا والإبادة الجماعية في رواندا والعنف في الحرب الأهلية في سيراليون (ومحكمة أخرى بدأت الملاحقات القضائية متأخرة الشهر الماضي ضد مرتكبي الإبادة الجماعية في كمبوديا من الخمير الحمر, الذين لا يزالون على قيد الحياة)، فإن المحكمة الجنائية الدولية مستقلة عن الأمم المتحدة. إلا أن النظام الأساسي للمحكمة لا يسمح للمجلس فقط بإحالة القضايا إلى المحكمة الجنائية الدولية التي لا تقع ضمن نطاق اختصاصها (السودان مثلا ليست دولة عضوا)، بل يسمح له أيضا بالإصرار على تأجيل القضايا المعروضة على المحكمة لفترات قابلة للتجديد من عام - وربما إلى أجل غير مسمّى.

الحجج المؤيدة والمعارضة

يقول أولئك الذين يؤيدون التأجيل، بمن فيهم لجنة وزراء عرب وأفارقة يضغطون على الأمم المتحدة، إن هذا سيساعد على إيجاد حل للنزاع الذي تسبب في مقتل نحو 300 ألف شخص وأجبر 2.75 مليون شخص على الهرب من منازلهم. ويختلف معهم آخرون في الرأي، بمن فيهم عدة حكومات إفريقية، حيث يخشون من العودة إلى "مناخ الإفلات من العقاب", الذي ينطوي عليه التأجيل.
وفي البداية، أثار طلب إصدار مذكرات اعتقال بحق البشير جدلا بين الأعضاء الخمسة الدائمين الذين يملكون حق الفيتو في مجلس الأمن (ثلاثة منهم ليسوا أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وهم أمريكا والصين وروسيا) بشأن احتمالية التأجيل. ولكن لا بد من الوفاء ببعض الشروط: مساعدة جنود حفظ السلام على القيام بعملهم وإحراز تقدم حقيقي في مجال التوصل لصفقة سلام.
ولا تزال روسيا والصين راغبتين في تأجيل القضية. إلا أن الأصوات اللازمة لذلك ليست موجودة. ويقول أحد كبار الدبلوماسيين في مجلس الأمن إنه كان بالإمكان الحصول على تلك الأصوات لو بذل البشير جهدا أكبر لصنع السلام في دارفور بقدر جهوده المزعومة لإدارة الفظائع التي تم ارتكابها. ولا شك أنه سيكون من الضار جدا بالمحكمة الجنائية الدولية، وبالسلام العالمي والعدالة، إذا تم اعتبار المجلس أنه رضخ لتهديدات البلطجة.
وفي الواقع، لن يكون البشير أول رئيس حكومة تتم محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم: يخضع Charles Taylor، الرئيس الليبيري، للمحاكمة أمام محكمة في سيراليون، التي انعقدت في دورة استثنائية في لاهاي؛ ولم يكن من الممكن اتهام رئيس يوغوسلافيا، سلوبودان ميلوسوفيتش، من قبل المحكمة لأنه توفي قبل انتهاء المحاكمة. وفي كلتا الحالتين، كان هناك مخاوف من أن تؤدي محاكمة القادة إلى إنهاء جهود السلام، ولكن تبين أن هذه المخاوف لا أساس لها. ومع ذلك، تظهر كلتا الحالتين أن اعتقال "الشخصيات المؤثرة" مثل البشير أمر مستحيل فعليا دون تعاون كثير من الحكومات، كما جاء في تقرير جديد حول إنفاذ القانون الجنائي الدولي الذي نشرته منظمة Aegis Trust في بريطانيا.
وتوجه المحكمة الجنائية الدولية، مثل المحاكم السابقة هذه، التهم للأفراد لا للدول. ويأمل بعض مراقبي السودان أنه عن طريق وضع ملصقات تعلن كون البشير مطلوبا للعدالة، ستسهم مذكرات الاعتقال التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في تعميق الانقسامات في النظام وإجباره على التنحي.
وتعد تلك طرق بديلة للعدالة. وتسمح قوانين المحكمة الجنائية الدولية لها بالنظر فقط في القضايا التي لا تستطيع أو لا تريد محاكم أخرى، وطنية أو إقليمية، النظر فيها. ولكن لا بد أن تكون العدالة من معيار معادل. ولن تكفي محاكم البشير. وفي العام الماضي، اقترح الصادق المهدي، أبرز سياسي معارض في الدولة, إنشاء محكمة مختلطة تضم قضاة سودانيين ودوليين، بحيث تنعقد في السودان. إلا أن البشير لا يظهر أي ميل بعد لمواجهة الاتهامات، بغض النظر عمن يوجهها.
ويخشى البعض أن تكون المحكمة الجنائية الدولية قد اضطلعت بأكثر مما تستطيع القيام به. فهي تقوم بإجراء تحقيقات في أربع دول، هي الكونغو, السودان, أوغندا, وإفريقيا الوسطى. وقد بدأت أخيرا أول محاكمة فعلية لها ضد توماس لوبانجا، أحد قادة الحرب في الكونغو، وذلك في كانون الثاني (يناير)، ولكنها انهارت تقريبا قبل أن تبدأ حين تبين أنه تم حجب بعض الأدلة عن محامي الدفاع. ولم تتمكن المحكمة الجنائية الدولية بعد من إصدار أول إدانة لها.
إلا أن مستقبل المحكمة يبدو أكثر إشراقا من بعض النواحي فقد أشار باراك أوباما إلى تبني نهج أكثر اعتدالا للمحكمة الجنائية الدولية من نهج سلفه فبدلا من المصادقة على معاهدة روما، التي وقعتها في الأصل إدارة كلينتون، جعل جورج بوش أمريكا "تلغي توقيعها". وسعى كذلك لترغيب الحكومات بقطع وعود ألا يتم أبدا تسليم أي أمريكي إلى المحكمة الجنائية الدولية. وفي حال حدوث ذلك، أصدر الكونجرس تشريعا يعرف باسم "قانون غزو لاهاي" للسماح بإخراجهم بالقوة.
إن السماح بإحالة الفوضى الحاصلة في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق فيها تدل على تغيير اللهجة، حتى تحت رئاسة بوش. ويقول Richard Dicker من منظمة Human Rights Watch لمراقبة حقوق الإنسان في نيويورك إن على أوباما الآن تعيين لجنة من الحزبين لبحث سبل العمل بصورة وثيقة مع المحكمة، وضمان أن تلبي قوانين أمريكا حول الجرائم ضد الإنسانية المعايير الدولية.
ومن غير المرجح أن يصادق أوباما على معاهدة المحكمة الجنائية الدولية. ولا يسمح الدستور الأمريكي بسلطة أعلى على المواطنين، ومن المحتمل أن يفشل أي تعديل لتغيير ذلك. ومع ذلك، فإن أمريكا، بوصفها أحد الموقعين الأصليين، تستطيع مثل روسيا والصين المساعدة على تشكيل مستقبل المحكمة.
وتشعر بعض الدول بالقلق لأنه لم يتم بعد التحديد الواضح بصورة صحيحة جريمة "العدوان"، وهي الجريمة الرابعة التي يسمح للمحكمة بالنظر فيها (إضافة إلى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية). وتختلف المحكمة مع مجلس الأمن بشأن من يستطيع أن يفتح التحقيق، هل هو المجلس، الذي يفترض أنه الهيئة التي تتولى المسؤولية الرئيسية عن السلام والأمن الدوليين التي تملك فيه أمريكا وروسيا والصين حق النقض، أم المدعي العام والقضاة في المحكمة الجنائية الدولية.
وعلى الرغم من غياب أمريكا عن المحكمة الجنائية الدولية، إلا أنها بذلت جهودا أكبر من معظم الدول، سواء ماليا أو دبلوماسيا، لترسيخ ودعم محاكم يوغسلافيا ورواندا وسيراليون. كما دعمت أيضا محكمة لبنان التي بدأت لتوها العمل على محاسبة المسؤولين عن اغتيال رئيس وزراء الدولة، رفيق الحريري، وغيرها من الجرائم.
وعلى عديد من الجبهات، يبدو أن هناك تعطشا شديدا لإقامة عدالة مدعومة دوليا, فقد أكملت محكمة سيراليون جميع المحاكمات، باستثناء المحاكمة ضد Taylor، وإن كان الادعاء العام قد ختم مرافعته في وقت سابق من هذا العام. وتركت محكمة رواندا قضايا ضد مؤيدي الحكومة الحالية بقيادة شعب Tutsi برئاسة Paul Kagame إلى آخر المحاكمات وسيتضح أنها صعبة. وتتقدم محكمة يوغوسلافيا ببطء، مع أنها وصلت إلى آخر قضاياها؛ وهي تنتظر استسلام اثنين من المتهمين الصربيين البارزين، بمن فيهم Ratko Mladic، القائد السابق لصرب البوسنة. وما لم تحرز كينيا تقدما قريبا في إنشاء محكمة لمحاكمة المسؤولين عن أعمال العنف المريعة التي حدثت بعد انتخابات عام 2007، سيسلم كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة الذي ساعد على التوسط لإنهاء العنف، قائمة أسماء إلى المحكمة الجنائية الدولية لمقاضاتهم. وفي هذه الأثناء، حسّن توجيه الاتهامات للبشير صورة المحكمة الجنائية الدولية- وزاد احتمالات تحقيق العدالة الدولية بشكل عام.

الأكثر قراءة