رواتب ومكافآت كبار التنفيذيين.. "ياما حبا ولا برك"
كشفت التقارير المالية التي أعلنتها الشركات السعودية المساهمة أخيرا عن تفاوت كبير في الرواتب والمكافآت التي يحصل عليها كبار التنفيذيين، فقد وصل الفرق في حجم الرواتب إلى أكثر من عشرة أضعاف في بعض الأحيان، لكن الأهم هو بند المكافآت والحوافز الذي أزاح الستار عن مكافآت بملايين الريالات حصل عليها المديرون التنفيذيون وبعض أعضاء مجلس الإدارة، واللافت أن تلك التقارير لم تظهر أي تأثير سلبي للأزمة العالمية على رواتب ومكافآت معظم التنفيذيين في الشركات السعودية.
في بعض الشركات وصلت قيمة الرواتب والمكافآت التي حصل عليها الخمسة الكبار نحو 10 في المائة من الأرباح الصافية ونحو 18 في المائة من الأرباح الموزعة أي أنهم حصلوا على خمس الأرباح الموزعة بينما تقاسم آلاف من ملاك الأسهم الباقي وهذا مثال للتوضيح فقط لأني أعلم أن رواتب ومكافآت وحوافز كبار التنفيذيين ليست توزيعا للربح ولكنها مصروفات إدارية تتحملها الشركة وتؤثر في صافي الأرباح.
كتبت قبل نحو خمسة أشهر عن رواتب كبار التنفيذيين وقلت حينها إنني مع وضع حد أدنى للرواتب وعارضت وضع حد أعلى لها، لكنني بعد أن تابعت الأرقام التي نشرتها بعض الشركات أدركت أنني أخطأت، فلا بد من وضع ضوابط واضحة تحدد ما يحصل عليه كبار التنفيذيين ليس من الرواتب فقط بل ومن المكافآت والحوافز وجميع ما يحول إلى حساباتهم من الشركة التي يعملون فيها، فلا يعقل أن يحصد خمسة موظفين في شركة ما خمس الأرباح الموزعة، ولا يعقل أن تكون هناك رواتب وحوافز تتجاوز الأعراف والسائد في السوق والأسواق المشابهة.
ومع ذلك ما زلت على رأيي السابق في أن الأرباح لا تأتي وتتعاظم في أية شركة أيا كان نشاطها إلا بوجود إدارة واعية وعلى مستوى عال من التأهيل والخبرة، فالفكر الإداري هو من يحقق أهداف الشركة وينمي أرباحها ويوسع مشاريعها ويفتح الأسواق لها في كل مكان، وإذا ما تحققت تلك الأهداف فلا مانع من مكافأة أصحاب هذا الفكر وهم كبار التنفيذيين بمبالغ مالية تشحذ همهم وتحفزهم لمزيد من العمل والإنجاز وتبرزهم عن غيرهم ممن اكتفوا بالرواتب فقط وتخلوا عن العمل الجاد.
هناك شركات تدفع الرواتب والبدلات المعتادة فقط ولا تدفع لكبار التنفيذيين فيها أية مكافآت أو حوافز على تحقيق الأهداف أو تطوير الأعمال، وهذه الشركات يمكن معرفتها من ثبات وضعف نتائج أعمالها منذ سنوات، فكبار التنفيذيين فيها محبطين ولا يوجد أي شيء يدفعهم لبذل المزيد من العمل لتحقيق المزيد من الأرباح وتوسيع نشاطات الشركة، وفي المقابل هناك شركات تسرف في دفع حوافز لكبار التنفيذيين فيها بل إن بعضها تجاوز العرف في ذلك وأثار التساؤلات حول ملايين الريالات التي دفعت لهم.
التحفيز أمر مهم في الأعراف الإدارية وثبت نجاحه بشكل كبير ولا يمكن تجاوزه إذا ما أريد للشركة أو أية منشأة كانت أن تطور أعمالها وتعظم أرباحها، لكن الحوافز المقدمة لا بد أن تكون مضبوطة بإجراءات معلنة ومعروفة للمساهمين أو أن تكون مجازة منهم وأن يتم الإفصاح بشكل أدق على تفاصيل تلك المكافآت والحوافز لكل وظيفة على حدة لا أن يكتفي بإجمالي ما تسلمه الخمسة الكبار في الشركة، وأنا هنا لا أدعو لكشف الأسماء ولكن أدعو لكشف ما تسلمه كل تنفيذي على حدة بمسماه الوظيفي وليس باسمه.
أعرف أن هناك لجنة للمكافآت والتعويضات تتبع لمجلس الإدارة لكن هذه اللجنة لابد أن تمرر اقتراحاتها على الجمعية العمومية قبل أن يتم اعتمادها وتنفيذها، فلا فائدة ترجى من لجنة توافق على دفع عشر الأرباح الصافية لموظفين أو ثلاثة من موظفي الشركة، ولو قامت شركة مثل "سابك" بمنح كبار التنفيذيين فيها مكافآت مماثلة لدفعت نحو ملياري ريال وهذا إجراء مبالغ فيه ولا يتسق مع الأعراف السائدة خصوصا أن الشركات السعودية تدفع تعويضات مالية لكبار التنفيذيين فيها أكبر مما تدفعه الشركات المماثلة في دول المنطقة كافة.
هناك تفاوت كبير في حجم الحوافز المالية التي تدفع لكبار التنفيذيين في الشركات المساهمة، فبينما أتت البنوك على رأس القائمة، فقد نافستها شركات صغيرة، وابتعدت الشركات الأكبر ربحا عن هذا التنافس في ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل وتستحق أيضا سرعة تنظيم مثل هذه الحوافز والمكافآت حتى لا تكون ظاهرة سلبية في مجتمع الأعمال لدينا كما حدث في مجتمع الأعمال في الولايات المتحدة الذي وصلت فيه المكافآت والحوافز قبل الأزمة مبالغ ضخمة تجاوزت 400 مليون ريال للفرد الواحد في بعض الأحيان، ومع ذلك لم تسلم تلك الشركات من الخسائر الضخمة.
أخيرا هناك أفراد كثر لا يصدقون وفي بعض الأحيان لا يعلمون أن هناك موظفين يعيشون بيننا يتسلمون رواتب وحوافز سنوية تصل إلى 20 مليون ريال، ومعهم الحق في ذلك فكيف يمكن تفسير أن راتب أحد الموظفين في سنة يعادل ما يتسلمونه في 300 سنة لو طالت بهم الحياة.