في عالم الإدارة: عندما تغيب أساليب الضبط يكثر العابثون!!
تصادف أن نشرت جريدة "الشرق الأوسط"، وفي صفحة واحدة هي الأخيرة، من عددها الصادر بتاريخ 1/3/1430، ثلاثة أخبار إدارية مهمة عن اختلاسات مالية قام بها بعض العاملين في منشآت عالمية، وسوف أستعرض لخلاصة تلك الاختلاسات، ثم أعلق عليها من جهة متطلبات الإدارة لعناصر الضبط والرقابة والمحاسبة.
الخبر الأول: وهو من فرنسا يقول: إن سكرتيرة تعمل في شركة (كوريوسياس) للتجهيزات الفضائية، المتخصصة في بناء الصواريخ، تمكنت من اختلاس مبلغ 13 مليون يورو على مدى أربعة أعوام، بمساعدة شريك حياتها، دون أن يكتشف ذلك أحد!...، ذلك أن الطرق التي اتبعتها في الاختلاس لا يمكن اكتشافها، رغم بساطتها، إلا إذا كان هناك نظام مالي ومحاسبي متقدم، ويتلخص الأسلوب الذي اتبعته في استغلالها للطلبات التي ترد من الورش، وتحيلها إلى الموردين، لكن لا يتم توريدها فعليا، باتفاق بينهم وبين الموظفين، في حين يتم صرف قيمتها، ومن ثم يتم تقاسمها بنسبة 80 في المائة لها، و20 في المائة لهم!..، كما أغراها المال وسهولة تمرير مثل هذه العمليات بتمرير طلبات وهمية يصدر بها فواتير يتم صرفها بالأسلوب نفسه!..، أما شريكها المتخصص في الصناعات الجوية فقد استهوته العملية فقام بتأسيس شركات وهمية لهذا الغرض، وأظهر التحقيق أن السكرتيرة أبدت ندمها الشديد على تصرفها، وكان تبريرها الوحيد هو حبها لشريكها!...، أما الشريك فلم يندم وعبر عن سعادته المطلقة وهو ينفق المال دون حساب، ويمضي إجازات أشبه بالخيال مع شريكته!...
أما الخبر الثاني فهو من ألمانيا، ويقول: إن شرطيا برتبة مفتش سرق مصرفا في بلده، مبررا فعلته للتحقيق بمعاناته من ضائقة مالية نتيجة تهديده ببيع مسكنه، ووقف حسابه البنكي!...، حيث استعاد دراجة زميله لتكون مطيته للسرقة، فالتقطت الصور كاميرات المراقبة.
وأما الخبر الثالث فهو من ألمانيا أيضا، ومفاده أن موظفة تعمل في أحد المخازن الشهيرة منذ 31 عاما، قد طردت من وظيفتها بسبب فرق عجز مقداره 1.30 يورو في خزنتها، حيث تعمل في وظيفة محصلة فواتير، وتبين عند تفتيش حقيبتها من قبل رئيسها وجود إيصالين بها بالمبلغ نفسه لم يجر صرفهما، واتهمها بالتالي بالاستيلاء على الإيصالين بنية تحصيل قيمتهما لها، وقام بطردها من العمل، رغم بكائها وإصرارها على عدم معرفتها بكيفية وصول الإيصالين إلى حقيبتها، ورغم أن محامي الدفاع اعتبر أن التهمة باطلة بدليل أن العاملة لم تحصل قيمة الإيصالين، إلا أن القاضي اعتبر أن مجرد وجود الإيصالين في حقيبتها دليل على الجرم!...
والآن نتناول كل قضية من تلك القضايا بالتعليق من الوجهة الإدارية المستقلة على النحو الآتي:
1 ـ إن كل سارق أو مختلس، يحرص على إخفاء الأساليب التي يتبعها في الاختلاس، وعلى عدم ترك أي دليل أو علامة تقود إلى كشف تصرفه، إلا أنه مهما كان الحرص، فإنه يحدث تحت وطأة الخوف والحذر والارتباك أن يغيب شيء ما عن مخيلة هذا السارق، ولا بد بالتالي أن يظهر ذلك في يوم من الأيام.
2 ـ بالنسبة للحالة الأولى، فرغم حرص السكرتيرة على ضبط الإجراءات التي تقوم بها بمساعدة شريكها، إلا أنها لم تستحضر أن يتغير في يوم من الأيام الأسلوب المتبع في المحاسبة وإعداد القوائم المالية، وهو ما حصل فيما بعد، وكان السبب في ظهور نقص في حسابات الخزانة كشف عن عملية الاختلاس!..، وإذا كانت مثل هذه الاختلاسات تحدث في بلد متقدم مثل فرنسا، فإنها أحرى بالوقوع في دول أخرى، ولا سيما النامية (أو النائمة) منها، وأكثر عمليات الاختلاس حدوثا هو شبيه بما جرى في فرنسا، حيث تكثر الطلبات الوهمية للمواد والمستلزمات نتيجة تواطؤ بين الطالب والمورد، لكي يتقاسما القيمة، وكم من مواد أقر بأنها دخلت إلى مستودعات دوائر حكومية وهي لم ترها.
3 ـ وبالنسبة للقضية الثانية، فرغم أن السارق عسكري وذو رتبة عالية، وهو مفتش، أي متدرب على أساليب كشف الجرائم، واحتاط لذلك عندما استعار درجة زميله لتنقله إلى محل الجريمة لإبعاد التهمة عن نفسه، إلا أنه غاب عن ذهنه إدراك ما لا يدركه الواقع تحت تأثير الانفعال بالحصول على المال، فلم يدرك أن البنك محصن بوسائل مراقبة إلكترونية، قامت بتصويره، ومن ثم كان من السهل عند التحقيق مع صاحب الدراجة الكشف عن أنه أعارها لزميله في الساعة ذاتها التي حصل فيها الاختلاس!...، ومن ثم لم يجد بدا من الإقرار بفعلته!..
4 ـ أما الحالة الثالثة، فإنني توقفت عندها كثيرا، وتخيلت نفسي رئيسا لتلك الموظفة، وأنها أمضت في العمل 31 عاما بدون أي شائبة، ثم يوجد عليها فرق زهيد كالذي حصل، ويتصادف ذلك مع وجود إيصالين في حقيبتها بالمبلغ نفسه، عندها سيساورني شك حولها، لكنني سأفكر ألف مرة قبل أن أوجه إليها تهمة الاختلاس، إذ لو كان هذا هدفها فلماذا لم تصرف قيمتهما؟ أو لماذا لم تكن السرقة لمبلغ أكبر من هذا، وهل يستحق الفرق أن ننسى خدماتها الطويلة؟! إن مجرد توجيه التهمة قبل التأكد من حصولها يهدم سمعة الموظف أمام زملائه، ويؤثر في ولائه لعمله, ويغتال فيه مشاعر الإخلاص، وإذاً يمكن القول إن قرار الحكم الذي صدر بطردها من العمل مبني على الشبهة أكثر مما هو مبني على دليل مادي!..
إن طرح مثل هذه الحالات للنقاش والبحث والتحليل في ندوات عامة أو حالات عملية Case Study تفتح أذهان العاملين وتوسع مداركهم لرؤية أبعد عندما يصبحون تنفيذيين وتصادفهم حالات كتلك.
والله من وراء القصد.