أموال الصناديق السيادية.. للبنى التحتية في دولها أم للسندات الأمريكية؟
توقع مصرفيون ومحللون اقتصاديون أن تسهم بعض الصناديق السيادية الخليجية، رغم خسائرها التي قد تبلغ 600 مليار دولار، في تمويل عجز الموازنة الأمريكية بهدف إنقاذ قطاعاتها الاقتصادية الحيوية ، لافتين إلى أن تلك الصناديق لا تزال تتمتع بثروة ضخمة "فهي جمعت نحو أربعة تريليونات دولار خلال السنوات الثلاث الأخيرة".
وقالوا لـ "الاقتصادية" إن المساهمة الخليجية سوف تكون عبر دور دولي لإنقاذ الاقتصاد العالمي، متوقعين في هذا الصدد شراء سندات وأصول أمريكية.
#4#
وذكر إلياس القصير المدير التنفيذي لشؤون الخزانة ورئيس قسم أسواق المال في الشرق الأوسط في بنك كاليون الفرنسي للتمويل والاستثمار أن الدول الغربية تعمل على تنشيط اقتصادها وسد العجز في موازناتها "خصوصا أمريكا"، التي تواجه عجزا تاريخيا في موازنتها، لافتا إلى أنها تحتاج في هذا الصدد لأموال خارجية، سيما من دول الخليج والصين "التي أسهمت أخيرا عبر شراء سندات خزانة أمريكية".
وكان الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد توقع نهاية الشهر الماضي، أن يبلغ عجز الموازنة الحالية 1.75 تريليون دولار، في حين ستخصص 250 مليار دولار كاحتياطي لمساعدة القطاع المصرفي.
وقال القصير إن واشنطن ترغب في مساهمات رسمية حكومية عبر صناديق سيادية أو من خلال المؤسسات المالية والمصرفية الخليجية الخاصة تمهيدا لضخ أموال جديدة تنقذ عددا من القطاعات الحيوية المتعثرة مثل المصارف والمؤسسات المالية، الطيران، شركات التأمين، صناعة السيارات، منوها إلى أن أمريكا تعتقد أن عدم مساهمة دول المنطقة في هذا الإنقاذ سوف يؤدي مستقبلا لرفع تكلفة منتجاتها وتعاملاتها مع دول الخليج سواء المتعلق منها بالواردات السلعية وفي مقدمتها السيارات أو الطائرات أو حتى إعادة التأمين".
ونوّه إلى أن دول الخليج في "وضع لا تحسد عليه"، حيث إن تداعيات الأزمة المالية العالمية لا تزال تلقي بظلالها السلبية على قطاعاتها الاقتصادية، ما دفع معظمها لضخ أموال إضافية في السوق لتعزيز حجم السيولة، بينما وضع بعضها الآخر أموالا جديدة في شكل خطط اقتصادية، معتبرا أن مثل هذا الوضع يدفع دول المنطقة للتفكير في الموازنة العادلة بين دعمها لاقتصاداتها وقدرتها على المساهمة في إنقاذ الكيانات الخاسرة في الغرب "باعتبارها شريكا أساسيا في الاقتصاد العالمي".
وقال رغم أن الصناديق السيادية الخليجية تعرضت لخسائر قد تبلغ 600 مليار دولار، بيد أن حجم ثروتها التي جمعتها في السنوات الثلاث الأخيرة لا يزال ضخما ويبلغ نحو أربعة تريليونات دولار وهي موزعة في أدوات مالية نقدية وودائع وسندات خزانة وحصص في مؤسسات مالية وشركات.
واقترح ألا تضخ دول الخليج أموالا طائلة في الاقتصادات الغربية ومؤسساتها وصناعاتها تحت ذريعة إنقاذها، إذ من الأهمية بمكان ضخها في البنية التحتية لهذه الدول، مبررا قوله بأن دول الغرب سوف تتمكن بعد نحو خمس سنوات من استعادة عافيتها الاقتصادية، وحينها لن تكون دول مجلس التعاون الخليجي "مستعدة أو جاهزة لاستقبال استثمارات جديدة في ظل بنيتها التحتية القديمة، التي يجب أن توجه إليها الأموال حاليا لتحديثها وتطويرها".
#3#
وأفاد الدكتور أحمد اليوشع وهو محلل اقتصادي ورئيس جمعية الاقتصاديين البحرينية، أن كثيرا من الأدوات الاستثمارية والقائمة على الإقراض والرهن العقاري والتي تم بيعها لمصارف ومؤسسات مالية عالمية منها "خليجية" تتمتع بمخاطر عالية، مشيرا إلى أن أسواق المال العالمية اشترت هذه الأدوات بيد أن نهايتها كانت مؤسفة بعد أن شهدت انهيارا تاريخيا. وتابع "حاليا.. الاقتصاد العالمي وليس الأمريكي فقط يمر بأزمة – وإن كان اقتصاد الولايات المتحدة هو أساس المعضلة – ما يعني أن دول الخليج ليست بمعزل عن التداعيات والآثار، وهو ما يستوجب منها المساهمة في معالجة الأزمة، مستشهدا في هذا الصدد بآيسلندا التي أعلنت إفلاسها فتدخلت المجموعة الدولية لإنقاذها.
وقال اليوشع "نحن في منطقة الخليج ندفع إحدى تكاليف الأزمة وهي تدني أسعار النفط لمستويات لا تعبر عن السعر الحقيقي الذي تقوم عليه، ما سيؤدي لانخفاض في الإيرادات وارتفاع في حجم العجوزات بالموازنات العامة"، مضيفا "وبالتالي فإن دول المنطقة المنتجة للنفط تدفع كلفة ليست قليلة في الأزمة حيث إن ذلك يُخفّض من كلفة الإنتاج عالميا، خاصة في البلدان الصناعية الغربية".
واستطرد قائلا "إن الولايات المتحدة الأمريكية ليس باستطاعتها سدّ حجم العجز المتفاقم في موازنتها بمفردها"، منوها إلى أن رقم العجز المعلن عن عجز الموازنة الأمريكية هو 1.75 تريليون دولار "ولكن لا نعرف ماذا سيحدث في نهاية العام الجاري، أي أن الرقم قد يكون مرشحا للزيادة".
واعتبر اليوشع أنه رغم حجم الأموال التي ضختها الحكومة الأمريكية في قطاعات مختلفة، غير أنها لا تزال تحتاج لمزيد من الأموال، معتقدا أن الإدارة السابقة لم تكن تتمتع بالشفافية اللازمة والكاملة بشأن حجم الأزمة" عكس إدارة أوباما الحالية".
ورأى أن منطقة الخليج جزء من المنظومة العالمية التي أصبح من الواضح أنها تطلب من دول المنطقة المساهمة في تمويل عجوزاتها المتوقعة "سيما الأمريكية"، فنحن لسنا بمعزل عن النظام الاقتصادي العالمي الذي إذا انهار سننهار معه وبالتالي نتعرض لعدوى الأزمة، متسائلا "فهل نتركه ينهار أم نساهم في إنقاذه؟".
وأضاف "إن الدول المستوردة للنفط تواجه أزمة اقتصادية صعبة، وبالتالي من المصلحة الوطنية للدول الخليجية مساعدتها حتى لا تتعرض لخسائر مضاعفة"، غير أنه دعا إلى "الحذر" في هذه المساعدة عبر دراسة المتخصصين وخبراء الاستثمار في الصناديق السيادية "التي لا تزال تتمتع بسيولة ضخمة" للجدوى الاستثمارية لمساهمات هذه الدول.
وتوقع تقديم الجزء الأكبر من المساهمات خلال العام الجاري عبر الصناديق السيادية للاستثمار في السندات الأمريكية لتمويل جزء من العجز في موازنتها، معللا ذلك بأن تلك السندات "مضمونة".
#2#
وعلق المحلل اقتصادي الدكتور خالد عبد الله ، قائلا "إن الاجتماعات الاقتصادية والمالية الدولية" كانت تؤكد الحاجة إلى جهد دولي للتعامل مع الأزمة، وأبدت دول الخليج رغبتها للمشاركة في هذا الصدد باعتبار أنها شريك أساسي في الاقتصاد العالمي رغم التصريحات التي أشارت إلى أنها لا تستطيع تسديد فواتير أخطاء الآخرين، غير أنها ستضطلع بمسؤولياتها ودورها في إطار دولي واضح".
ولاحظ أن الصناديق السيادية الخليجية تلعب دورا كبيرا في الاقتصادات الغربية وخاصة الأمريكية، وشاهدنا دورها الاستثماري ومساهماتها بعد الأزمة بعدة أشهر، متوقعا أن تقوم هذه الصناديق بدور مماثل لما أقدمت عليه الصين ولكن "في إطار جدوى اقتصادية واستثمارية ضمن دور عالمي، وحينها تكون دول الخليج قد ابتعدت عن دفع فواتير سداد أخطاء الآخرين". وقال "إن تلك الصناديق يمكنها أن تقوم بدور المحفز للاقتصاد العالمي ضمن جهد دولي مشترك بشراء جزء من بعض الأصول الغربية المنخفضة وبالذات الأمريكية التي لا تزال تتمتع بجدوى استثمارية".