أولمبياد الرياضيات.. تعزيز لخطى المملكة نحو التنمية المستدامة
إن الحسابات بأنواعها البسيطة والمعقدة والعلاقات بين الأحداث والارتباط بين الزمن والحدث هي عمليات تحتاج إلى استخدام بعض الرياضيات لفهم أنماطها أو مسارها أو ما ستؤول إليه نهاية التفكير في هذا الموضوع أو ذاك. الرياضيات هنا تجعلنا نفكر بمنطق، حيث نحدد المشكلة ثم نخطط لحلول بناء على بعض القوانين ومن ثم نبدأ بالخطوات المحسوبة بترتيب موضوعي ومن ثم نقيم النتائج التي تعكس مدى نجاح ما اتخذ من حلول. إن تعلم الرياضيات وفهمها (وليس بالضرورة التمكن منها واحترافها) يجعلنا دائما أفضل في التعايش مع الحياة اليومية والاختبارات والأزمات والكوارث وكثير من المواقف الصعبة في الحياة. ليس بالضرورة أن نحصل على درجة في الرياضيات، ولكن من الضروري أن يعي كل فرد ماهية الأطر المحددة لكل عمل قام أو يقوم به أو حَدثٍ وقع حوله. كما أن عليه أن يعي أن الحساب والإحصاء في كل ما حولنا قد سيره الله لكونه وعلمنا ذلك في القرآن الكريم. السؤال هو: ماذا لو انشغل الناس بفهم ما حولهم ليعوا ويتبصروا فيدركوا أو يتوقعوا ما يمكن أن يحل بهم, فهل ستتغير حياتهم ومعيشتهم فيها؟ حتما إنهم سيكونون أكثر استعدادا وأقل تأثرا، ولكن هناك جانبا آخر أكثر إيجابية وهو أنهم سيساعدون المنشغلين بخدمتهم على إدارة خدماتهم بشكل أفضل فيسخروا لهم ما يبحثون عنه وتصبح حياتهم أكثر تماسكا وتعاضدا، وبالتالي أكثر سعادة, وهذا هو مفهوم التنمية المستدامة.
لذلك لا بد أن نعيد التفكير إيجابيا في اتخاذ الرياضيات طريقا نحو التنمية الفكرية المؤدية لوضع الخطط الفردية الخاصة، التي تؤدي مع خطط أفراد المجتمع بأكمله إلى تنمية شاملة، مستخدمين ما توافر من وسائل بناءة في هذا العصر لتحقيقها. لقد برع الغرب في إغراق الإنترنت بمواقع لتعليم الناس الرياضيات، فتجعلهم يتمكنون من إدارة أعمالهم أو حساب مدخراتهم وكيفية الاستفادة منها وتنظيم استثماراتهم مهما صغرت أو كبرت والاستفادة من حاضرهم لمستقبلهم بتوقعاتهم لأحداث الغد, فكانت مفيدة لصاحب البقالة وأمين المكتبة وأبناء صاحب المزرعة وعمال المصانع وموظفي الاستقبال ومرشدي السياح وكافة أطياف الناس. في مجتمعنا.. ماذا يمكن أن نقدم كمتعلمين ومثقفين ومعلمين في المجالات كافة وحاصلين على أعلى الشهادات في كل العلوم ومنها الرياضيات؟ شخصيا لم أجد موقعا واحدا على الإنترنت (مخصصا وباللغة العربية) يهدف إلى تثقيف الناس بأسلوب بسيط كيف يمكن استخدام الرياضيات في عيش يومنا كالاستفادة من الوقت أو الدخل أو تنظيم المصروفات أو تحسين مواجهة الأزمات أو توقع مدى الإيجابيات أو السلبيات أو ما إلى ذلك من الاتجاهات المؤدية لعيش حياة سعيدة. وزارة التربية والتعليم (مشكورة جدا) ببدئها الاوليمبياد الوطني للرياضيات والفيزياء قبل أعوام لهذا العام الدراسي 1429/1430هـ وضعت الأهداف بشكل مدروس سواء في تنمية المهارات العلمية أو التشجيع على التفكير العلمي السليم في حل المشكلات العلمية والعامة لطالبات السنة الثانية ثانوي من مدارس المناطق كافة على مستوى المملكة.
لقد راعوا تنمية قدرات المتسابقات ورعايتهن والاستمرار في اكتشاف المواهب يوما بعد يوم واختاروا توقيتا يؤمل لهم التوفيق فيه. مع أن لي عدة ملاحظات على كيفية التنفيذ وصعوبة فهم بعض الآليات مثل اختيار 15 طالبة لكل ألف طالبة من المناطق, وإتمام المراسلة بين وزارة التربية والتعليم والمناطق بالبريد الممتاز عبر مظاريف (مغلفة بختم الإدارة!), ثم إعلان النتائج (على الموقع الإلكتروني!) بعد شهر!, وجعل مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (تشرف عليه!), إلا أني أعتقد أنه في كل عام سيكون النشاط أفضل وسنخطو خطى جادة وجيدة نحو التنمية ـ بإذن الله ـ خصوصا أن تكرار هذا النشاط سنويا وعلى مستوى المناطق فيه إنجاب لمزيد من جيل المستقبل الواعد.
لقد أصبحت كل إدارة قائمة على استخدام الحاسوب بشكل أساسي أو تحبذ المتميزين أو المتميزات في الرياضيات وجهة للشباب المفكر, فهي تقول له أو لها: أَنتِ مميزة لأنك برجاحة عقلك أمل كثيرين وكثيرات, وميزتك هذه يمكن أن تكون محلية ويمكن أن تكون دولية, كما أن الحاجة لكم كما هي في المؤسسات العلمية والمراكز البحثية فهي أيضا في المرافق الإنتاجية.
في الواقع عديد من دول العالم بدأت تضع في حسبانها الآن تصميم نماذج Models لتوقع موجات الاستثمار التي تصل في دقتها إلى 95 في المائة، لئلا يصل حجم الخسائر مثلما ضربتهم هزة عام 2008، وليكونوا في مأمن عند اللحظة المناسبة، فهل نقوم أو تقوم جمعية الاقتصاد السعودي بذلك؟
كما أن العلماء طوروا عبر العقود الماضية وفي آخر العام الماضي بالذات أفضل النماذج لتوقع مسار العواصف والهزات الأرضية وغيرها من الحوادث الطبيعية، وعادوا بالزمن افتراضيا إلى عقود مضت لحساب معدل تكرار الأحداث وحدتها والظروف المحيطة، ومن ثم فهم النمط العام والمتغير لكل حدث, فهل ستكون لدينا مراكز علمية متقدمة مثل هذه؟ هذا قد يجعلنا نفكر في نقل الفكرة بأن نشارك في أولمبياد دولي للرياضيات سواء على المستوى الآسيوي أو الإفريقي أو الأوروبي سواء هذا العام أو في الأعوام المقبلة، فيطلع جيل اليوم على تقدم الشعوب الأخرى وأساليب معيشتهم، وننقل لهم أفضل مزايا شعوبنا وتراثنا، فنسعى بهذه المعرفة لرخاء وازدهار وطننا الغالي، لعل تنميتنا تستديم بهمم الشباب والشابات, والله يحفظهم جميعا.