الحقائب الوزارية الجديدة والتغير للتغير
بعد تردد كثير من الشائعات عن تغير الوزراء منذ تولي خادم الحرمين الحكم جاء القرار وهو أكثر بعدا وحكمة. وهو تغير لأهم الأساسيات لأي دولة والتي لا يساوم عليها, وهي ثلاثة: القضاء ثم التعليم ثم الصحة "العقل السليم في الجسم السليم". ثلاث جهات هي أهم المقومات الأساسية للدول. والتغير جاء كما كنا ننادي به, وهو تغيير للوزير والوكلاء (الحقيبة الوزارية). فتغيير وزارة التعليم والثقافة جاء بطريقة جديدة, وإن كانت فيها مشابهة للتي قبلها، فهو تغيير للوزير وكذلك الوكلاء, أو ما نسميه تغيير الحقيبة الوزارية. وفرح كثير من المواطنين وكأنها نوع من فش الخلق أو الملل وحب التغيير. فقد كان التغيير للوزير فقط في السابق يقوي سلطة ونفوذ من هم تحته مثل وكلاء الوزارات ونواب المحافظين، ويصبح البقاء لهم أو للأسوأ كما يقال. الوزير حسب النظام يمكن تغييره كل أربع سنوات ولكن بقية الوظائف القيادية تبقى لينام عليها بعض المسؤولين وأقاربهم منذ عشرات السنين وكأنهم ورثوها. أو يحتلها بالأقدمية موظفون دخلوا السلك الوظيفي دون مؤهلات, وكل ما يشفع لهم الأقدمية أو اعتمادهم على بعض الأجانب من الوافدين ليقوموا بأعمالهم. وهذا القرار يلغي الاعتقاد السائد بأننا نناقض أنفسنا. ويؤكد أننا نؤمن بأن خطة الدولة في التعليم والابتعاث أخرجت ثمارها من الكفاءات الوطنية. كما أنه يمنح الفرصة والدور لغيرهم من المواطنين الأكفاء الذين يرغبون في المساهمة في بناء الوطن وإعطائهم الفرصة لذلك. التغيير دائماً مطلوب والاستفادة من الخبرات والكوادر الحديثة التي استثمرت فيها الدولة بالابتعاث والتعليم قد تؤدي ثمارها، حيث حان الأوان لأبنائنا أن يردوا الجميل إلى أهلهم وأن يسهموا في بناء مستقبل واعد لهم ولأبنائهم. على أن يتم عمل الامتحانات والمقابلات التأهيلية لانتقائها للتأكد من مناسبتها وقدرتها على إدارة دفة الإدارة والتنمية بدلا من المجاملة القبلية والمحسوبية فوق المصلحة العامة الدولة. وهو من المنطقي أن نعيد حساباتنا وطريقة التأقلم مع الوضع الجديد وعصر التنافس والتحديات العالمية بين الدول. خاصة خلال هذه الأزمة الاقتصادية ونحن نسبح في خضم فرد العضلات بين الدول الكبرى وتهديدها أو سيطرتها على اقتصاداتنا, وبعد الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية الذي سيتطلب منا جهدا جبارا ومستمرا لفرض اشتراطاتنا ومفاوضاتنا, وإلا فالبقاء للأقوى والأفضل أو من يفاوض بإخلاص ووطنية.
والتغيير مسؤولية ورسالة كبيرة ملقاة على عواتق هؤلاء المعينين, فالدولة تتطلع بهذا التغيير إلى التغير. تغيير وتحديث الأنظمة التي أكل الزمان عليها وشرب, والأنظمة التي نام عليها من سبق ولم يغيروا منها. وهي أنظمة تم نقلها أو اقتباسها من أنظمة بعض الدول الشقيقة, وهي أدت دورها في وقت كان الجود من الموجود. إن التغيير يجب أن يشمل موضوعات أشمل, تغيير الحقيبة الوزارية والأنظمة القديمة مع صرامة أكبر في تطبيق العقوبات والتشهير بالمتعدين على القانون. والاستعداد لمشروع الحكومة الإلكترونية والتخلص من الأرشيفات الورقية وضياع وإهدار الوقت للجميع. فهل صحيح أننا حتى الآن لم نجد رادعا لمن يصدر شيكا من دون رصيد في الوقت الذي يسجنون عليه في معظم دول العالم؟! أو من يردع المستهترين بالقانون سواء من يخالفون المرور أو يأكلون حقوق الناس بالمساهمات أو يستغلون مناصبهم كمنصة للفساد الإداري .. والعدل أساس الحكم.
التغير يجب أن يكون تدريجيا ومدروسا بالتنسيق مع الأنظمة الأخرى وليتناغم معها. بدلا من اللجوء إلى الممارسات الحالية للتلاعب على الأنظمة أو الالتفاف حولها بوسيلة الخصخصة, وحجة البليد مسح السبورة. وهو أسهل ما تقوم به بعض الوزارات والهيئات الحكومية عن طريق إنشاء شركات خاصة تحت إشراف الوزارة نفسها, ويتم تعيين أحد موظفي الوزارة أو توفير فرصة له للعمل كمدير عام للشركة, وذلك للتهرب من أنظمة وتعقيدات ديوان المراقبة العامة ووزارة المالية. وبعذر افتقاد الوزير الصلاحيات التي تخوله أو تعطيه المرونة لاتخاذ القرارات أو اعتماد المخصصات المالية. والهدف هو فقط التهرب من الإجراءات. وهو تلاعب واضح يسمح به القانون فلماذا الالتفاف ولماذا لا تعاد دراسة الوضع وإعطاء الوزير صلاحيات أكبر قبل أن تصبح وزاراتنا كلها شركات عامة.
لقد أحست الدولة بهذه المعضلة وعدم قدرة بعض الوزراء على تحديث الأنظمة لمجابهة التحدي العالمي فبدأت في خطوات بناءة بأمل التخلص من البيروقراطية القديمة وتحديث الأنظمة وتفعيلها. وتقليص تكاليف بعض الأجهزة الحكومية المتهالكة والمترهلة التي تثقل كاهلها, فتوجهت إلى نظام الهيئات العليا لإيجاد أنظمة مرنة تديرها كوادر وطنية مشهود لها بالخبرة والتميز مهنيا، يديرها جهاز وظيفي وتشغيلي أصغر. وبحيث لا يتأثر بمركزية القرار والروتين والوراثة بالأقدمية أو التبعية بدلا من الأحقية الإنتاجية أو العملية والعلمية.
واليوم ما أحوجنا إلى إيجاد هيئة عليا للتخطيط والتنسيق بين الوزارات والهيئات, فالملاحظ أن هناك تغيبا لوجود التخطيط والتنسيق بين تلك الهيئات والوزارات المختلفة لمحاولة تطوير وتحديث الأنظمة وتبادل المعلومات للحصول على قاعدة مركزية قوية ونظام متكامل ومترابط لجميع تلك الأنظمة ويضم الحلقات المتصلة سواءً السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بعضها ببعض ويضمن عدم تضارب أو ازدواجية قراراتها. حيث إن هذه الأنظمة وإن اختلفت في تخصصاتها إلا أنها مرتبطة في تأثيراتها, وأن أي تغير في إحداها يترك سلبياته وإيجابياته على الآخر. مع ضرورة التأكيد على أهمية الربط بين الأجهزة التشريعية والتنفيذية, وأن ما يشرعه الجهاز الأول يجب أن ينظمه ويتأكد من تنفيذه الجهاز الآخر, وأن يتابع ردود فعله وإيجابياته أو سلبياته الاجتماعية والاقتصادية. وأن يتم التنسيق بين هذه الأجهزة لرسم سياسات مستقبلية مبنية على أسس ومتغيرات داخلية وخارجية وفق احتمالات وتوقعات مستقبلية ومحاولة التنبؤ بالتأثيرات المستقبلية وكيفية تجنبها للنهوض بالناتج الوطني, وأن تكون هناك عملية تغذية FEED BACK للأنظمة المعنية مرة أخرى.
وهذا الأمر مرتبط, كما أشرت في مقالات سابقة, بغياب النظام التخطيطي الوطني المتكامل الذي هو العمود الفقري للدولة وصياغته تحت مظلة الحكومة الإلكترونية, الذي يربط جميع الأنظمة وعملية التوحيد القياسي للأنظمة والمعلوماتية الحكومية في شبكة وقاعدة معلومات موحدة وربطها معلوماتيا بواسطة شبكات الحاسوب. وبحيث يكون هناك توحيد للنماذج والاستمارات الاستبيانية لربط المعلومات الوطنية ببعضها بطريقة أتوماتيكية، بحيث تكون طريقة إدخال المعلومة موحدة في كل جهة حكومية. وأن تتم الاستفادة من البطاقات الشخصية الممغنطة التي تم إصدارها حديثا لكل مواطن. لتمكن كل جهة حكومية من تمريرها على حساسات حاسوبية لمعرفة أي معلومات عن المواطن بدلا من إرهاق الجميع بطلب صور منها ما يساعد على التخلص من أرشيفات ومخازن الأوراق التي تحتل مساحات كبيرة من المباني الحكومية.
لقد آن الأوان أن نؤكد نجاح الخطط الخمسية ومدى نجاح خطة الابتعاث بتوظيف الكفاءات الوطنية القيادية المناسبة والمؤهلة, وأن يصاحب ذلك وبطريقة تدريجية تحديث أو استبدال الأنظمة القديمة وذلك للتحول إلى نظام عالمي منافس وقادر على مواجهة إفرازات العصر العالمي الحديث.