رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


التنمية المتوازنة .. التحول من اقتصاد الموقع إلى اقتصاد المكان

تمثل التنمية الاقتصادية مطلبا اجتماعيا تسهم في استكشاف الإمكانات وتوظيفها وتحريك الموارد وتوجيهها نحو تحقيق الرفاهية الاجتماعية وتقوية الاقتصاد ونموه. وعلى المستوى المحلي (المحافظات) والإقليمي (المناطق) تعتمد على بناء القدرات المحلية وتطوير القاعدة الاقتصادية وتهيئة الفرصة لجذب الاستثمارات وزيادة عدد الوظائف ذات الدخول العالية. وقد يظن خطأ أن التنمية الاقتصادية تعني توفير الخدمات الأساسية والبنى التحتية لتلبية الاحتياجات الإنسانية وحسب، أي أن الخدمات والمشاريع العامة هي فقط للاستهلاك المعيشي اليومي. إلا أن الخدمات الحكومية، إضافة إلى تلبية الاحتياجات الاجتماعية تهدف إلى تطوير الاقتصاد والقدرة التنافسية وتعزيز قطاع التصدير. إذا التنمية تجلب مزيدا من التنمية بتأثير تراكمي والعكس صحيح، وهذا يفسر التفاوت التنموي بين المناطق في السعودية بل انحسار الخدمات العامة وتراجع القدرات الإنتاجية في بعضها، فمناطق الأطراف الحدودية لم تحظ بمشاريع تنموية تمكنها من الانطلاق وتحقيق مستوى من النضج الاقتصادي تكون فيه قادرة على الاعتماد الذاتي والتصدير إلى خارج الاقتصاد المحلي. لا شك أن التنمية غير المتوازنة بين المناطق السعودية واقع ملموس وحقيقة ماثلة ومشكلة وطنية تتطلب الالتفات إليها ووضعها ضمن أولويات الخطط الحكومية. بعض المناطق الحدودية لا يتوافر فيها الحد الأدنى من مقومات التنمية الاقتصادية، ولذا بقيت ردحا من الزمن تعاني تردي الخدمات العامة كما ونوعا وأصبحت هناك هجرة للمناطق الأكثر تنمية وحظا أدى إلى تفريغ هذه المناطق من سكانها وهي ظاهرة جد خطيرة من النواحي الأمنية والاقتصادية والسياسية. لقد أدركت القيادة السياسية السعودية هذا الأمر ومدى خطورته وأهمية العمل من أجل إعادة التوازن التنموي بين المناطق، فقد ذكر خادم الحرمين الشريفين في أكثر من مناسبة أهمية التنمية المتوازنة بين المناطق، بل منح أولوية لتلك المناطق التي لم تحظ بمستوى تنموي مثل المناطق الأخرى، بإنشاء مدن اقتصادية لتجتذب الاستثمارات الداخلية والأجنبية وتحرك الموارد. لقد علم - حفظه الله - بحسه السياسي أن التنمية غير المتوازنة تسبب خللا وتفككا اجتماعيا له تداعيات سلبية كبيرة وخطيرة.
وعلى الرغم من أن التخطيط التنموي في السعودية بدأ منذ أربعة عقود وبمركزية شديدة إلا أن المشاريع التنموية تركزت بما اتفق على تسميته محور التنمية من المنطقة الشرقية مرورا بالرياض وانتهاء بمنطقة مكة. وإذا كان هناك عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية وسكانية تمنح هذه المناطق الأفضلية النسبية وتجتذب التنمية إليها في وقت من الأوقات، إلا أن المتغيرات والمستجدات على الساحتين الداخلية والخارجية تفرض واقعا جديدا لا يمكن الاستمرار معه في ذات النهج. من بين أهم تلك المتغيرات العولمة وتقنية الاتصال. لقد جلبت العولمة معطيات جديدة تحول فيها دور المدن في التنمية الاقتصادية من أولوية الإسهام في التنمية الوطنية إلى أولوية التنمية المحلية، وأصبح لزاما أن تكون أكثر قدرة على صنع القرارات المحلية بذاتها بمنحها الاستقلال المالي والإداري، كما أن التنمية المحلية متصلة بالتخطيط الحضري (تخطيط المدن) ولا يمكن استيعاب التخطيط خارج الإطار السياسي الإداري للمدن وهذا يتطلب مشاركة فاعلة من السكان في عملية التخطيط. في ظل العولمة أضحت المنافسة مفتوحة وشرسة ولم تعد المجتمعات المحلية في المناطق النائية بمنأى عما يحدث في العالم. فهناك إعادة تثقيف سريعة وتوافر للمعلومات والإحصاءات أصبحت فيها تلك المجتمعات أكثر نضجا ثقافيا وسياسيا وبالتالي أثر ذلك في مستوى ونوعية مطالبهم واحتياجاتهم وتطلعاتهم. ما كان مقبولا من قبل لم يعد كذلك وكان لا بد من أخذ زمام المبادرة بمنح المناطق الأقل تنمية والتحول من التخطيط المركزي (من أعلى إلى أسفل) إلى أسلوب أكثر مرونة يأخذ في الحسبان توجهات المجتمعات المحلية بحيث تكون المشاريع التنموية متوائمة مع الإمكانات والموارد والقاعدة الاقتصادية.
إن التوجه العالمي الحالي وبفضل تقنية الاتصال هو من اقتصاد الموقع إلى اقتصاد المكان، فلم يعد البعد المكاني ذا أهمية تذكر بل أصبح بإمكان أي مدينة المنافسة عالميا بغض النظر عن موقعها بتطوير ذاتها عبر التميز وتعزيز الهوية والممازجة بين التطوير والحفاظ على الطابع التاريخي وخلق إحساس بالتملك والشعور الجماعي والترابط بين سكان المدينة. وهذا يتطلب تنمية اقتصادية مبنية على التعرف على المقومات والميزات التنافسية للمدينة وفهم التنمية الاقتصادية للمدينة في إطارها المحلي والتنوع في التنمية الاقتصادية بسبب التنوع الثقافي للسكان وتحقيق التنمية المستدامة، والأمر الأهم أن يكون هناك هيئات محلية مسؤولة عن معظم الأنشطة والجهود في التنمية الاقتصادية ومكان صنع القرار التنموي المحلي.
لقد أتيحت لي فرصة زيارة منطقة الجوف تلبية لدعوة تلقيتها من النادي الأدبي الثقافي في الجوف لإلقاء محاضرة عامة. ولأنها المرة الأولى التي أزور فيها منطقة الجوف فقد ذهلت من العمق التاريخي والحضاري للمنطقة، فالآثار التي تكتظ بها دومة الجندل يخيل إليك أن المدينة متحف مفتوح تتنقل بين حقب التاريخ الواحدة تلو الأخرى بمجرد خطوات. إنها تاريخ ينبض بالحياة، ففي القلاع والقصور والمساجد وحتى "الرجاجيل" الأثر الذي يأخذ شكل أصابع اليد في أكثر من موقع متجها نحو الشرق. في كل تلك الآثار ينتابك شعور يعزز الهوية الوطنية ويجذر تاريخها الحضاري العريق، إلا أن المنطقة - مع الأسف - كنز طمر لسنوات وأخشى أنه اليوم يتم الاعتداء عليه اعتداء صارخا باسم التنمية الوهمية تنمية المخططات السكنية التي أصبحت تزحف كجيش جرار لتقتلع التاريخ من جذوره وتمسح أثره لبناء مساكن أسمنتية هنا وهناك. إنها اقتصاديات الموقع، الموقع السكني بطبيعة الحال، وليس الأثري! قد يعود ذلك للقصور التنموي والانكماش الاقتصادي الذي تعيشه المنطقة لتقتات على اقتصاديات الأراضي وتقوم بتدمير هويتها واقتصادها الحقيقي وتقضي على أغلى ما تملكه وهي آثارها التاريخية بقصد ودون قصد! إنها مأساة حقيقية أن يتجه سكان المنطقة في اتجاه التنمية السلبية (غير المستدامة) في ظل التهميش الذي تعانيه، فجوف الحضارات القديمة والآثار والأرض الزراعية والمياه العذبة ومجتمعها الذي يتحلى بثقافة الضيافة والكرم لم تنل حظها من التنمية وظلت ساكنة هادئة كما آثارها العريقة وكأنما قدرها أن تكون منطقة أثرية لم تطلها التنمية وبقيت على ذات الحال سنين طويلة لم تتغير ولم تتبدل. الجوف وغيرها من مناطق الأطراف تستحق التنمية ليس لأنها حق مكتسب وحسب ولكن لأن فيها تنوعا للقاعدة الاقتصادية وتقليل الهجرة للمدن الكبيرة وزيادة الكثافة السكانية على الحدود وإعادة لتوزيع الدخل ومعالجة لكثير من المشكلات والتحديات مثل الإرهاب والسطو المسلح والمخدرات والفقر الحضري والتلوث وغيرها. الإشكالية ليست في الإرادة السياسية ولكن في تحويل تلك الإرادة إلى واقع ملموس عبر مبادرات جادة وحاسمة وخطط واضحة الأهداف وإطار زمني محدد يضمن التحقق من الأداء وفي ذات الوقت التأسيس لهيئات محلية مستقلة ماليا وإداريا تتولى التقرير والتنفيذ والمتابعة فأهل المناطق النائية أدرى بشعابها وأقدر على رعاية مصالحها.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي