التغيير في وزارة الثقافة والإعلام .. ماذا يعنى الآن؟
يأتي تعيين الدكتور عبد العزيز خوجة وزيراً للثقافة والإعلام في ظروف تختلف تماماً عن تعيين كل الوزراء الذين سبقوه في هذه الوزارة.. ابتداء من الوزير جميل الحجيلان وهو أول وزير للإعلام وحتى إبراهيم العنقري والدكتور محمد عبده يماني، ثم علي الشاعر والدكتور فؤاد الفارسي، وأخيراً إياد مدني.
إن مفهوم الإعلام قد تغير وتغيرت معه مؤسسات الإعلام بفعل الثورة الحقيقية الشاملة التي حدثت في الوسائل الإعلامية والتي تعرف باسم الإعلام الإلكتروني الذي دخل لاعباً أساسياً ـ أقوى من التعليم ـ في تشكيل سلوكيات وثقافات المجتمعات.
وإذا كان البعض يطلق لقب السلطة الرابعة على الصحافة ـ وهي إحدى وسائل الإعلام الرئيسة ـ فإن هذا المصطلح لم يعد لقباً مناسباً لتوصيف الصحافة، لأن الصحافة أصبحت صحافة إلكترونية وهى جزء لا يتجزأ من منظومة الإعلام الإلكتروني بوسائله المتعددة ومفهومه الشامل الذي تجاوز السلطة الرابعة إلى السلطات الخامسة حتى العاشرة.
بمعنى أن الإعلام أصبح آلة ضخمة تؤثر في كل أنحاء وآفاق المجتمع، والإعلام بهذا المفهوم لم يعد يتمثل في الوسائل التقليدية الثلاث الصحافة والإذاعة والتلفاز.. لم يعد الإعلام هو وزارة الإعلام في تراتباتها الرقابية والترخيصية، بل أصبح الإعلام إعلاماً إلكترونياً يجوب أجواز الفضاء الفسيح ويصمم سلوك الإنسان تجاه المجتمع الذي يعيش بين ظهرانيه، وكذلك المجتمع الذي لا يعيش بين ظهرانيه.
ولذلك فإن الفرق بين الإعلام في فترة الحجيلان وهي الفترة التي كان فيها الإعلام كله في يد الحكومة وينتشر فقط في حدود الدولة، وبين الإعلام في فترة خوجة الذي أصبح فيه فضائياً وفي قبضة القطاع الخاص.. كبير جداً بكل المقاييس.
ولذلك نستطيع القول إنه حينما تسلم جميل الحجيلان الإعلام قبل 40 عاماً ونيف كان الإعلام ملكية حكومية، ويومذاك أصدرت الحكومة نظام المؤسسات الصحافية الذي أعطى لرأس المال الخاص حق إنشاء وتملك المؤسسات الصحافية، ولكن حينما تسلم الدكتور عبد العزيز خوجة الوزارة لم تكن الحكومة هي المالكة لكل وسائل الإعلام، بل أصبح الإعلام ملكية خاصة وعامة تجوب أجواز الفضاء، وأصبحت أرضية الإعلام هي الكون كله.
كانت الصحافة ـ على سبيل المثال ـ إقليمية، بل لنقل صحافة محلية وكانت توصف بصحافة الوسطى وصحافة الغربية وصحافة الشرقية، ولكن اليوم الصحافة لم تعد محلية بل أصبحت صحافة كونية، فكل الصحف السعودية تقرأ في مواقعها الإلكترونية مثلها مثل: "نيويورك تايمز"، "الواشنطن بوست"، "الإندبندنت"، و"الديلى تلغراف"، ونضيف إلى هؤلاء صحف "الاقتصادية"، "الشرق الأوسط"، "الحياة"، "الرياض"، "عكاظ"، "الجزيرة"، "اليوم"، و"المدينة".
وآخر التغيرات هو أن الصحافة الورقية التي لعبت وتلعب دوراً في المجتمع السعودي بدأت تتآكل وتفقد جزءاً من وظائفها، وأصبحت ظاهرة الصحافة الإلكترونية تزاحم الصحافة الورقية التقليدية، بل أصبحت مؤسسات الصحافة الورقية تبني مواقع إلكترونية لإصداراتها الورقية وتستخدم وسائل غير ورقية لتطوير نفسها وتنتقل من الورق إلى الموبايلات والحاسبات، أي أن مؤسسات الصحافة الورقية بدأت تستخدم آليات الصحافة الإلكترونية لتنافس الصحافة الإلكترونية، وليس بعيداً أن تلتحم ـ في المستقبل القريب ـ الصحافة الورقية بالصحافة الإلكترونية، وعندئذ تصبح الصحافة الورقية من مخلفات الماضي.
في ضوء هذه المتغيرات الكبرى في الساحة العالمية نقف على أهمية التعديل الذي أجراه أخيرا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في وزارة الثقافة والإعلام، حيث تنطلق حيثيات التغيير من المفهوم الجديد للثقافة والإعلام، فالإعلام ـ كما أوضحنا ـ لم يعد أسيراً لمفهوم تقليدي لا يرى الثقافة بأكثر من مواد لتزجية أوقات الفراغ، ولا يرى الإعلام بأكثر من بوق يتنفس في الهواء، ولكن مفهوم الإعلام بعد التعديل الوزاري هو أن الإعلام صوت الأمة المعبر عن ثقافة الأمة وهويتها الوطنية، وطوال تاريخ الإعلام أزعم أننا لم نفهم الثقافة والإعلام بهذا المفهوم العصري الحديث.
إذن التوصيف الحقيقي لعلاقة الإعلام بالدولة اليوم.. هو أن الإعلام يزهو بعيداً عن الدولة حتى عمليات الرقابة على المصنفات وتلميع وجه الحكومة الذي كانت تقوم به وزارة الإعلام لم يعد في متناول الوزارات بعد أن هرب بها الإعلام الإلكتروني وسلب كل الاختصاصات والصلاحيات التي كانت تقوم بها وزارات الإعلام.
المواجهة الأخطر هو أن الوزير الجديد عبد العزيز خوجة يجلس على كرسي الوزارة وأمامه حملة شيطانية ضد الإسلام بدأها الغرب بترويج ثقافة صدام الحضارات، ثم نشر الرسوم المتحركة، وختمها بإعلان الحرب على الإرهاب ووضع في قلب مصطلح الإرهاب الدين الإسلامي الذي أخذ ينتشر بشكل واسع في كل أرجاء بلاد الغرب، في مقابل ذلك فإن التحرك الذكي من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله الذي قاد من قلب نيويورك ومن منبر الأمم المتحدة حملة عالمية واسعة الأرجاء عنوانها "حوار الحضارات في مواجهة صدام الحضارات"، ويرتكز حوار الحضارات على مبادئ الإسلام العليا التي تدعو إلى نشر ثقافة السلام بين ربوع العالم.
إزاء هذه الدعوة العالمية يفترض أن تقوم وزارة الثقافة والإعلام في السعودية بدور أساسي ورئيس لنشر ثقافة الإسلام والسلام في كل مكان من العالم .. حتى لا يكون الإسلام مكشوفاً أمام مواجهة صليبية تدعمها الآلة الغربية التي أعلنت الحرب ظلماً على الإسلام دون هوادة.
وباعتبار مكة المكرمة والمدينة المنورة في قلب وعقل السعودية، فإن واجب الإعلام السعودي أن يذب عن حياض الإسلام من مثل هذه المزايدات لا سيما أن المليك قد ناشد العالم كله أن يجلس للحوار ويستمع إلى صوت العقل وصوت الإسلام والسلام.
ونعترف أن المهمة ضخمة وعسيرة أمام وزير الثقافة والإعلام الجديد لأنه يعانى معضلة مزمنة وهي عدم كفاءة الكوادر البشرية في الوزارة للقيام بمهام كهذه على مستوى العالم، ولذلك يتعين عليه أن يباشر برفع كفاءة الكثير من العاملين في وزارة الثقافة والإعلام حتى يكونوا في مستوى مستجدات الإعلام المعاصر.
أمَا إذا عجز الوزير عن بناء الكوادر الكفاءة في وزارته، وهو أمر وارد جداً، فإن أمامه خيار واحد وهو أن يحيل مسؤولية إدارة إعلام الدولة إلى القطاع السعودي الخاص الذي نجح في بناء مؤسسات إعلامية عصرية استطاعت أن تلعب دوراً موضوعياً وشفافاً في مجال الدفاع عن حقوق ومكتسبات الدولة، وعندئذ يكون الإعلام السعودي قد وجد طريقة إلى الإبداع وتحقيق النجاح.