علاقة سعيدة محتملة مع سورية
من الطبيعي أن يسعى الدروز في مرتفعات الجولان، البالغ عددهم 20 ألف والواقعين بين إسرائيل، محتليهم منذ أكثر من أربعة عقود، وسورية، التي قد تحكمهم ثانية قريبا، لتحقيق مصالح مشتركة لحكامهم الاثنين الأقوياء كوسيلة لتحسين وضعهم غير المستقر. ويأملون كذلك أن يكونوا بمثابة جسر لبناء السلام بين الاثنين. ويرى بعض المتفائلين الجولان المستقبلية مثل هونج كونج إلى حد ما، حيث ستستمر في التمتع بمنافع الاقتصاد الإسرائيلي النشط والمجتمع المنفتح، في الوقت الذي تعود فيه تحت سيادة سورية الأكثر صرامة والأقل تطورا. وبغض النظر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي سيأتي بعد الانتخابات العامة الأخيرة فيها، فهو سيفتح على الأرجح "مسارا" دبلوماسيا إلى سورية. ويبدو باراك أوباما متحمسا لذلك أيضا.
وفي دلالة مبشرة توحي بالتعاون، تمكن الدروز من إرسال التفاح الذي يزرعونه إلى أسواق العاصمة السورية، دمشق، بمباركة الحكومة الإسرائيلية، التي قدمت إعانات تصدير إسرائيلية لكل طن يتم إرساله. وقد سُمح للهيئات التعاونية للمزارعين المحليين بإرسال ثمانية آلاف طن هذا العام، وهي أكبر شحنة منذ أن وافق أرييل شارون عام 2004، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، على السماح بالتجارة مع سورية.
ومع أن التفاح ليس بالضبط شحنات إنسانية، إلا أنه تم شحنه في شاحنات الصليب الأحمر عبر الحدود في القنيطرة التي تحرسها الأمم المتحدة. وعبرت الشحنات الثلاث الأولى إلى سورية هذا الأسبوع. وأهميتها الرئيسية دبلوماسية أكثر منها اقتصادية. فبالنسبة إلى سورية، تظهر السيادة على المنطقة المحتلة والتضامن مع شعبها، الذين لا يزالون يؤمنون بالوطن الأم العربي على الرغم من محاولات إسرائيل للتودد إليهم واجتذابهم. وبالنسبة لإسرائيل، فهي تقدم أول بادرة على فتح الحدود وتحرير التجارية الذين يجب، كما تصر، أن يكونا جزءا من معاهدة سلام مستقبلية.
ويقول أسعد صافدي، الذي يدير ثلاجة تخزين للفواكه وحديثه في الجولان إنه بالنسبة للمزارعين الدروز أنفسهم، فإن التصدير إلى سورية يساعدهم على التنافس ضد المستوطنين اليهود المحليين، الذين يزرعون التفاح أيضا ويحصلون على مخصصات أكثر سخاء من المياه من الحكومة الإسرائيلية. وهو يقول: "يحصلون على ضعف عدد التفاح لكل دونم، إلا أن تفاحنا ألذ طعما".
وما وراء سعر محصول التفاح (6 ملايين العام الماضي تمت إعادة تمريرها على شكل نقد) ورأس المال السياسي الذي تجنيه كلتا العاصمتين منه، يقول دروز الجولان، التي تمتلك كل عائلة منهم تقريبا بستانا، إنهم يلعبون مع تفاحهم دورا في تغيير الصورة البشعة لكل من الدولتين بصورة تدريجية وهو أمر يتوافق مع صنع السلام. وهم يأملون أن يتم قريبا استئناف المحادثات بين المسؤولين الإسرائيليين والسوريين في إطار الوساطة التركية.
إن الدروز هم طائفة قديمة في الإسلام. ودروز الجولان هم جزء من الجالية الدرزية السورية التي يبلغ تعدادها 700 ألف. ويعيش 250 ألف درزي آخر في لبنان ونحو 100 ألف في إسرائيل، حيث يخدمون في الجيش، خلافا لغيرهم من العرب المسلمين والمسيحيين.
وينقل الصليب الأحمر عبر الحدود مئات الشباب من دروز الجولان الذين يدرسون في دمشق، والذين يتم تشجيعهم ودفع أجور دراستهم من قبل الحكومة السورية. ويعود جميعهم تقريبا إلى وطنهم عند الحصول على شهاداتهم، ويحصل الكثيرون على وظائف في إسرائيل نفسها. ويتخرج المئات غيرهم في الجامعات الإسرائيلية. وكانت العائلات الدرزية تنادي وتلوح عبر الحدود لبعضها بعضا في "تلة الصراخ"، خارج قرية مجدل شمس، القرية المتواضعة الواقعة على الطرف الشمالي الشرقي لمرتفعات الجولان. وتستخدم العائلات الآن الاتصال الهاتفي المباشر أو موقع Skype. ولا تزال غير قادرة على عبور الحدود للقاء ببعضها بعضا ولكن أفراد العائلات يذهبون مرارا إلى الأردن للاجتماع ببعضهم.
ويقول Selim Brake، الذي انتقل من مجدل شمس إلى بلدة Karmiel الإسرائيلية ويدّرس السياسة الإسرائيلية في جامعة حيفا: "إن الانفتاح جيد، فهو يقلل التوترات ويساعد على تحسين صورة إسرائيل في سورية. فإضفاء الصفة الشيطانية على بعضهما بعضا أصبح من الماضي. فكلتا الدولتين لديهما مصلحة قوية في السلام. وأنا أؤمن بدور مجتمعنا بوصفه صلة وصل. وقد يكون التفاح مبشرا بمشاريع اقتصادية في المستقبل".
ويشاركه في وجهة نظره أيضا Maray Taiseer، القومي المؤيد بشدة لسورية والذي يدير المركز الطبي والثقافي في مجدل شمس. فهو يقول: "نحن نعرف أن سورية ليست مثالية، إلا أن الدعاية الإسرائيلية تبالغ في تشويه سمعة سورية. ومن جهة أخرى، يصعب على بعض السوريين فهم تعقيدات المجتمع الإسرائيلي. فهو يتذكر محاورات صريحة مع شقيقه، ضابط الجيش السوري المتقاعد ويقول: "نعم سنعاني مشكلات بعد عودة سورية".
ويشعر معظم دروز الجولان، المتعلمين والأغنياء نسبيا، بالراحة في المجتمع الإسرائيلي المستقل. فقد حصل Taiseer على شهادة الدكتوراة من الجامعة العبرية في القدس ويعتبر نفسه، على الرغم من تحفظاته بشأن الصهيونية، من أتباع الأستاذ Yeshayahu Leibowitz، وهو عالم وفيلسوف يشتهر بأنه صهيوني يعارض الحرب. ويقول: "سنضطر إلى التكيف. إلا أن جذورنا عميقة وقوية جدا. وسيكون السوريون حكماء بما فيه الكفاية لوضع تجربتنا في عين الاعتبار".
ويتوقع Taiseer انتعاشا قويا في مجال الاستثمار الأجنبي في الجولان عندما يتم التوصل إلى اتفاق سلام. وهو يقول إن الدروز سيكونون في الطليعة، ويضيف: "لا أعتقد أنني متفائل بصورة مبالغ بها. فلطالما كان دروز الجولان مشاركين جدا في الحياة السياسية السورية، ومقبولين جدا. ولم يفهم الموساد (الاستخبارات الإسرائيلية) ذلك أبدا".
ويقول الدكتور Brake إنه ليس جميع أفراد المجتمع متحمسين لذلك. ويضيف بالقول: "يعتقد الناس أنه ليس هناك سبب لكيلا يبدو المرء مواليا لسورية. فبهذه الطريقة لن يخسر شيئا في إسرائيل، ولكن إذا عاد السوريون فعلا، سيحسب ذلك لهم ويكون في مصلحتهم".