مشاريع الإسكان لحل مشكلات البطالة عندنا وليست للآخرين
لا أعتقد أن أحدا يعارض المجهودات التي تبذل لحل مشكلات الإسكان, فهي جزء مهم من سياسات الدول وتمس حياة كل مواطن وتساعد على الاستقرار الاجتماعي والسياسي وأثرها في التنمية الحضرية والاقتصادية للدولة. الإسكان موضوع كبير ومتشعب ويضم تحته مجموعة من الجهات الخدمية والعدلية والتنظيمية والمالية والاجتماعية. ولكن الأهم هو أن تكون الحلول موجهة إلى توعية وتدريب مواطنينا على المشاركة في عملية البناء وخلق فرص لهم للعمل بدلا مما نقوم به الآن من حل لمشكلات البطالة في الدول الأخرى. وبدلا من أن نصطاد لهم السمك يجب أن نعلمهم كيف يصطادونه. ولتصبح الفائدة مضاعفة من حلول مشكلات الإسكان فيستفيد منها المحتاج إلى السكن في الوقت الذي تدور فيه أموالنا بيننا. وهو دور كبير ومسؤولية كل مواطن للمساهمة في التوعية بأهمية العمل وأنه ليس عيبا، بل مفخرة. وبالطبع يبرز هنا دور الجهات المسؤولة عن التشجيع على التدريب والتعليم، المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب المهني، لهذه المهن لنصل إلى الوقت الذي نكون فيه قادرين على البناء بأيدينا ومن زنودنا.
فعندما نرى بعض الدول تتحمس لحل مشكلات الإسكان، فإن اهتمامها بها له وجه آخر ومهم, وهو أن الإسكان يعد موظفا أساسيا وصانعا لفرص العمل لمواطني تلك الدول. فرص العمل في مجال الإسكان كبيرة جدا, وهو من أكبر القطاعات دوليا. ويكفينا مثالا الصين وكوريا الجنوبية اللتان تصدران عمالة البناء للعالم. وهي فرص كثيرة، سواء في مجال الأبحاث أو العمل في التشييد والبناء والحفر والسباكة والنجارة والصيانة والتسويق والإدارة وغيرها من فرص العمل أو المهن الشريفة التي يجب أن نفتخر بمن يقوم بها. كما أن عملية البناء تتطلب مصانع ومعارض ومستودعات لمواد البناء والتشييد المتعددة وأمثالها في قطاعي المقاولات والهندسة. وعندما تدعم الدول الأخرى موضوع الإسكان، فإنها لا تحل مشكلة الإسكان فحسب، وإنما يستفيد مواطنوها واقتصادها بطريقة مزدوجة أو مضاعفة لتدور الأموال في البلد نفسه. فهم يحصلون على السكن ويضمنون وظائف في قطاعات المقاولات والهندسة والتأثيث وتجارة مواد البناء وغيرها, وبذلك يستفيد منها الاقتصاد الوطني. المواطن سيدور هذه الأرباح لشراء متطلبات أخرى له ولأفراد عائلته، سواء من الضروريات أو الكماليات, والتدوير للقطاعات الاقتصادية الأخرى, وبذلك يحرك الاقتصاد الوطني. وبذلك تدور الأموال في وسط البلد, أو بمعنى آخر تكون لها دورتها الاقتصادية الكاملة لمنفعة الاقتصاد الوطني.
بينما نحن في المملكة لا نستفيد من ذلك فنحن لم نستعد ولم ننم أو نشجع على تنمية مهنة المقاولات والعقار وتدريب وتأهيل العاملين في قطاع الإسكان، سواء كعمالة مدربة أو شركات مقاولات أو الشركات المهنية الأخرى التي تدخل في قطاع الإسكان, وبحيث تدور أموالنا بيننا بدلا من أن تتسرب إلى خارج الوطن . لقد أصبحت بعض الدول حولنا تعيش عمالتها علينا, وكان قرار حل مشكلة الإسكان لدينا بشرى خير لهم.
وتشير التقارير الدولية إلى أن تنفيذ ألف وحدة سكنية متوسطة يوفر 2500 فرصة عمل, إضافة إلى ما توفره من فرص عمل لمؤسسات السمسرة والتأمين على الصكوك والمباني والمصارف والبنوك ودور التمويل, إضافة إلى المؤسسات والمهن والمقاولين الذين يستفيدون من الاستثمار العقاري بطريقة غير مباشرة مثل شركات التأثيث والأجهزة والأدوات الكهربائية والإلكترونية ونقل الأثاث والتنظيف ومنسقي الحدائق.
ويؤكدون أن الاستثمار في الإسكان محرك للاقتصاد في جميع دول العالم الحديث. ويمثل عادة ما بين 10 إلى 20 في المائة من الناتج الوطني (GNP), كما أنه يزيد من فرص العمل للمواطنين. وتم إجراء دراسة في إحدى الولايات في أمريكا، ووجد أن فيها نحو ثلاثة آلاف شركة عقارية عام 2006 ومعظمها تشارك في موضوع الإسكان. فوجدت الدراسة أن تلك الشركات وفرت 105 آلاف فرصة عمل, أي ما يقارب 4 في المائة من مجموع العمالة في الولاية. ودفعت تلك الشركات أكثر من سبعة مليارات ريال كمرتبات للعمال وأضافت 13 في المائة من الناتج الوطني (محلي) للولاية.
إن الاستثمار في الإسكان له أهميته كمحرك للاقتصاد المحلي عالميا, فهو يلعب دورا كبيرا في حماية الاقتصاد من الهبوط المفاجئ, ويعمل كوسادة يتكئ عليها الاقتصاد في الظروف الصعبة التي يمر بها الاقتصاد. كما أنه قطاع يقود اقتصاد الدول في حالات الركود الاقتصادي لأنه يأخذ وقتا أطول في الهبوط والارتفاع من سوق الأسهم.
وبعكس سوق الأسهم، فإن دراسة لمركز دراسات الإسكان في جامعة هارفارد تشير إلى أنه مقابل كل ألف دولار ربح للفرد في الاستثمار في الإسكان، فإنه يصرف 150 دولارا ليدورها في قطاعات أخرى بينما الربح نفسه في سوق الأسهم يدور فقط 40 دولارا. كما أن تنفيذ المشاريع السكنية يحتاج إلى رساميل كبيرة لذلك فهو محرك ومؤشر رئيس لسعر الفائدة في البنوك. إضافة إلى أنه يقوم بنوع من تدوير الأموال لتتوزع على جميع القطاعات الاقتصادية ليطول منها الجميع مثل: المكاتب الهندسية والمقاولون وتجار مواد البناء ودور النشر والصحف ومكاتب الإعلانات والتسويق وشركات الحاسوب والإنترنت وغيرها.. نحو مائة صناعة. ويساعد على إيجاد فرص العمل للمواطنين.
هذا الطرح الموجز قد لا يفي الموضوع حقه ولكن الدرس الذي نستفيده هو أننا يجب أن نتعلم ممن سبقونا في تجربة الإسكان وأخذ آخر ما وصلوا إليه وتسخيره ليناسب ظروفنا و"حنا غير" وإتاحة الشفافية وخلق بيئة قانونية وتقنية مبنية على الثروة الحقيقية, وهي ثروة قاعدة المعلومات. وأهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ورأب الصدع بينهما احتراما للمصلحة العامة وإلى محاولة تنظيم قطاع الإسكان المهم وأن نستمر في تطوير هذه المهنة وابتكار طرق أحدث للتوفير في الإسكان وتسويقه مع تسخير جزء من جهودنا للبحث والتطوير العلمي.
لقد أصبحنا ورشة عمل ومركز تدريب للعمالة الأجنبية غير المؤهلة ومعظمها تأتي دون شهادات أو مؤهلات لتعمل وتجرب فينا وعندما تنضج وتصبح ماهرة نجدها تعود إلى بلادها أو الدول الأخرى وقد حصلت على التدريب الجيد الذي يؤهلها للعمل هناك. عمالة تجول في مدننا وشوارعنا من كهربائي إلى سباك إلى نجار وتدخل بيوتنا ودون أي تأهيل أو شهادة تثبت أن لديها الخبرة المطلوبة. وهي عمالة كان الأولى أن تقوم وزارة العمل بالتنسيق مع المؤسسة العامة للتدريب المهني بتنظيمها والتأكد من تأهيلها. وألا تقوم بأي أعمال لدينا إلا بعد ثبات تأهيلها وإبرازها رخصة مصدقة من الجهات الرسمية لمزاولة العمل في مدننا.
بعد أن استعرضنا دور الإسكان في تدوير عجلة الاقتصاد عالميا ومحليا، فإنه يمكننا الآن مقارنة الوضعين ومحاولة معرفة ما ينقصنا. وحتى يكون لدينا قطاع إسكان فاعل فإننا يجب أن نركز على إكمال الحلقات المفقودة لهذا القطاع ومحاولة تنميتها وربطها بالقاطرة ليتحرك قطار العقار.